واضطرت الإنسانية أن تواجه مستقبلها بتجاربها الخاصة، وأن تستفيد من هذه التجارب في زيادة معارفها وثقافتها. ووقفنا نحن نسجل ملاحظاتنا على ما يحدث كالرجل الذى أدبه أبوه وهو طفل ثم مات عنه وهو طفل أيضا، فكلما سمع بعظة حكيمة قال: لقد أوصانى بها أبى قبلا - رحمه الله -. وكلما ترامت إليه خطة مستقيمة هز رأسه أسفا وهو يقول: لقد شرح لى أبى أصول هذه الخطة، وأكد على ضرورة التمسك بها! وهكذا صنعنا نحن المسلمين، لا تكاد الإنسانية الصاعدة في مراقى التقدم تضع لنفسها نظاما دقيقا حتى نسارع إلى النصوص الخاصة والقواعد العامة من تراثنا الجليل مؤكدين أن دعائم هذا النظام لدينا من زمان طويل. بلى أيها الناس، إن آيات الفطرة نطقت بالحق منذ قرون، ولكن الفطرة عملت عملها الحاسم عند غيرنا. لقد حكم على الآيات هنا بوقف التنفيذ، ووضعت أمامها العقبات النفسية والاجتماعية والسياسية الشديدة. غير أن الله كان أبر بعباده مما يظن الغافلون، واستطاع وهج الطبيعة الإنسانية الحار، أن يحرق ما يعلوه ثم يذروه رمادا، وكان الإنتاج الإنسانى كثيرا ورائعا من الناحية المادية والأدبية. ولا تزعم أنه خلا من الأخطاء، فهذا لا يمكن، على أنه في جملته جيد مقبول ويكفيه من النجاح أنه أكره رجال الأديان على إعادة النظر في موقفهم المريب من المواهب الإنسانية الخالدة. وأكره المسلمين خاصة أن يدركوا مدى تفريطهم في حقائق دينهم، ومدى تمشيهم مع الرجعية السياسية والاجتماعية التى حولت بلادهم - قرى ومدائن - إلى إقطاعات لا خير فيها لدنيا أو دين. ص_029