وما الداعى لهذا الهوان؟. إن التاجر يخرج مبلغا محدودا يحتسبه من نفقاته المستهلكة، ويؤمن به على موارد رزقه، فإذا فجأته كارثة وصل إليه العوض السريع وهو مطمئن النفس مرفوع الجبهة. وذاك أجدى على حياته وأصون لكرامته من انتظار الصدقات التى قد تأتى أو لا تأتى على حسب أريحية المتطوعين والمتبرعين!!. ومن ثم أصبحت فكرة التأمين عالمية، تستمسك بها دول شتى وتقوم لها شركات هائلة. وقد جعلت حكومتنا التأمين إجباريا على كثير من الأشخاص والمرافق والدعايات النشيطة دائبة على توسيع دائرته في كل ناحية. والإقبال عليه يتزايد يوما بعد يوم، والعلة واضحة، فحيث ينعدم التأمين الاجتماعى الكريم يروج هذا اللون من التأمينات المحدثة، مهما اكتنفها من ريبة أو حرمة. ونظام التأمين يقوم في جوهره على أعمال ربوية. والضرورات التى أوحت به هى الضرورات التى أوحت بإقامة أحفال الرقص لإعانة مشروعات الخير. أى هى خراب المجتمع من العاطفة الإنسانية النبيلة التى تندفع إلى الإحسان من تلقاء نفسها. وفقدان الأنظمة الدينية والخلقية أو بعبارة أصرح: فقدان الأنظمة التعاونية والاشتراكية التى تضع منهاجا شاملا لعلاج الطوارئ الفاجعة والتى تمد رواق التأمين الاجتماعى على حاضر الناس ومستقبلهم فلا يتوجسون في أنفسهم ريبة، والتى تفترض الرحمة قارة في القلوب- فإن لم تكن مستقرة بها غرستها غرسا- ثم سنت من التشريعات المالية الصحيحة، ما يجعل المجتمع كله يضطرب إذا أصبت أحد أفراده بسوء حتى يندفع عنه!! مصداق قول الرسول صلوات الله عليه وسلامه:"مثل المسلمين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى". ص_161