فهذا هو أصل النزاع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، فالتحكيم من أجل حل هذه القضية المتنازع عليها لا لاختيار خليفة أو عزله.
الخامس: أن الشروط التي يجب توفرها في الخليفة هي العدالة والعلم، والرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، وأن يكون قرشيًا.
وقد توفرت هذه الشروط في علي رضي الله عنه فهل بيعته منعقدة أم لا؟ فإن كانت منعقدة -ولا شك في ذلك وقد بايعه المهاجرون والأنصار أهل الحل والعقد، وخصومه يقرون له بذلك، فقول معاوية السابق يدل عليه- فمن يحل هذا العقد ومتى يحل وتنقض البيعة؟ أجيب عن ذلك بأن"الإمام إذا لم يَخْل عن صفات الأئمة، فرام العاقدون له عقد الإمامة أن يخلعوه، لم يجدوا إلى ذلك سبيلًا باتفاق الأئمة، فإن عقد الإمام لازم، لا اختيار في حله من غير سبب يقضيه، ولا تنتظم الإمامة ولا تفيد الغرض المقصود منها إلا مع القطع بلزومها، ولو تخير الرعايا في خلع إمام الخلق على حكم الإيثار والاختيار لما استتب للإمام طاعة ولما استمرت له قدرة واستطاعة ولما صح لمنصب الإمام معنى". (غياث الأمم، للجويني) .
وإذًا فليس الأمر بهذه الصورة التي تحكيها الروايات: كل من لم يرض بإمامة خلعه! فعقد الإمامة لا يحله إلا من عقده، وهم أهل الحل والعقد وبشرط إخلال الإمام بشروط الإمامة، وهل علي رضي الله عنه فعل ذلك واتفق أهل الحل والعقد على عزله عن الخلافة حتى يقال إن الحكمين اتفقا على ذلك؟!"فما ظهر منه قط إلى أن مات رضي الله عنه شيء يوجب نقض بيعته، وما ظهر منه قط إلا العدل، والجد، والبر والتقوى والخير".
السادس: أن الزمان الذي قام فيه التحكيم زمان فتنة، وحالة المسلمين مضطربة مع وجود خليفة لهم، فكيف تنتظم حالتهم مع عزل الخليفة؟! لا شك أن الأحوال ستزداد سوءًا، والصحابة الكرام أحذق وأعقل من أن يقدموا على هذا.
السابع: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حصر الخلافة في أهل الشورى، وهم الستة، وقد رضي المهاجرون والأنصار بذلك، فكان ذلك إذنًا في أن الخلافة لا تعدو هؤلاء إلى غيرهم ما بقي منهم واحد، ولم يبق منهم في زمان التحكيم إلا سعد بن أبي وقاص وقد اعتزل الأمر ورغب عن الولاية والإمارة، وعلي بن أبي طالب القائم بأمر الخلافة وهو أفضل الستة بعد عثمان فكيف يتخطى بالأمر إلى غيره؟!
الثامن: أوضحت الروايات أن أهل الشام بايعوا معاوية بعد التحكيم، والسؤال ما المسوغ الذي جعل أهل الشام يبايعون معاوية؟ إن كان من أجل التحكيم، فالحكمان لم يتفقا ولم يكن ثمة مبرر آخر حتى ينسب عنهم ذلك، مع أن ابن عساكر نقل بسند رجاله ثقات عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي أعلم الناس بأمر الشام أنه قال:"كان علي بالعراق يدعى أمير المؤمنين وكان معاوية بالشام يدعى الأمير فلما مات علي دعي معاوية بالشام أمير المؤمنين"، فهذا النص يبين أن معاوية لم يبايع بالخلافة إلا بعد وفاة علي، وإلى هذا ذهب الطبري. فقد قال في آخر حوادث سنة أربعين:"وفي هذه السنة بويع لمعاوية بالخلافة بإيليا"وعلق على هذا ابن كثير بقوله:"يعني لما مات علي قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين لأنه لم يبق له عندهم منازع".
وكان أهل الشام يعلمون بأن معاوية ليس"كفئًا لعلي بالخلافة، ولا يجوز أن يكون خليفة مع إمكان استخلاف علي رضي الله عنه، فإن فضل علي وسابقته، وعلمه، ودينه، وشجاعته، وسائر فضائله: كانت عندهم ظاهرة معروفة، كفضل إخوانه: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم رضي الله عنهم"، وإضافة إلى ذلك فإن النصوص تمنع من مبايعة خليفة مع وجود الأول، فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما"والنصوص في هذا المعنى كثيرة، ومن المحال أن يطبق الصحابة على مخالفة ذلك.
الغرائب التي اشتملت عليها روايات التحكيم عند أبي مخنف
وقد سجلتُ بعض الغرائب على روايات أبي مخنف هذه أهمها:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)