ولذلك نقول: لا يمكن على الإطلاق أن يتعارض النقل الصحيح مع العقل الصريح، فالعقل الصريح غريزة وضعها الله في قلوب الممتحنين من عباده، فأنزل نقلًا منقولًا من الله إلى جبريل ونقله جبريل إلى رسول الله، ونقله رسول الله إلينا، وتأكدنا فعلًا أنه نقل صحيح، إما من خلال القرآن أو ما صحَّ عن نبينا، فطالما أن القضية كذلك، فأعقل الناس الذي يطلب السلامة لنفسه والسلامة لهذه الآلة الموجودة داخل البدن والسلامة للبدن والسلامة للأمة كلها هو الذي يلتزم بكتاب الله وبسنة رسوله ?.
فالإنسان إذا صنع صنعة لا يُرسل معها دليلًا يُفسد الصنعة، ولو فعل ذلك لَعُدَّ ذلك عيبًا، فإذا كان ذلك فيما بين البشر، فكيف بخالق البشر الذي صنعهم وعدَّلهم وجعلهم في هذه الهيئة القويمة أن يُنزل منهجًا من السماء يلتزم به الإنسان فتفشل الصنعة؟!
إذًا، من يقول بأن التزامه بالشرع يؤدي إلى الرجعية أو ما شابه ذلك، هذا لا يفهم نفسه ولا يفهم عقله ولا يفهم شيئًا في الحياة على الإطلاق، ولكنه تربَّى على أن ما يراه بعقله هو الصواب، والحقيقة ليست كذلك، بل العقل يقول أن الحماية تكون في ما نزل من عند الله، ولذلك كان من المحال أن يضل الإنسان أو يشقى أو يعيش معيشة ضنكًا إذا اتبع هداية الله تعالى، قال سبحانه وتعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) (طه:123) .
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:"كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول، والعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، ولكن كثيرًا من الناس يغلطون إما في هذا وإما في هذا، فمن عرف قول الرسول ومراده به كان عارفًا بالأدلة الشرعية، وليس في المعقول ما يخالف المنقول".
أي: ليس في العقل الصريح ما يخالف النقل الصحيح.
ويقول أيضًا:"من قال بموجب نصوص القرآن والسنة أمكنه أن يناظر الفلاسفة مناظرة عقلية يقطعهم بها ويتبين له أن العقل الصريح مطابق للسمع الصحيح".
من قال بموجب نصوص القرآن والسنة: يعني التزم بما ورد في القرآن والسنة نصًا.
ولاحظ أن ابن تيمية رحمه الله تعالى ذكر هنا"السمع"بدلًا من"النقل"، فالسمع أو النقل أو الخبر أو الوحي كل ذلك معناه واحد وهو ما جاءنا عن الله في الكتاب أو في السنة.
وقال أيضًا في مجموع الفتاوى:"العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، كما أن المنقول عن الأنبياء عليهم السلام لا يخالف بعضه بعضًا".
فما نزل على النبي لا يخالف حقيقة ما نزل على عيسى وعلى موسى وعلى سائر الأنبياء، لماذا؟
لأن المصدر واحد، فالذي خلق العقل هو الذي أرسل إليه النقل.
ثم قال رحمه الله تعالى:"لكن كثيرًا من الناس يظن تناقض ذلك، وهؤلاء من الذين اختلفوا في الكتاب، وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد"
وسبب الاختلاف أنهم قدموا عقولهم على المنقول، وبدأوا يؤخرون كتاب الله، ولا يُمكن أن الله سبحانه وتعالى يُنزل إلينا كلامًا ونظامًا ودستورًا لنسير عليه ونلتزم به ثم إذا التزم الإنسان به يفسد، بل الفساد في عكسه، بل أغلب الذين كفروا بالله سبب كفرهم أهواؤهم وعقولهم، قال تعالى: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (آل عمران: 101) ، والاعتصام بالله هو الاعتصام بالكتاب والسنة، وإذا تركت الكتاب والسنة فلا تأمن على نفسك، والإنسان قد يصل بسبب بُعده عن الله إلى الكفر والضلال، والتعامل مع الحق سبحانه وتعالى من قِبَل الحق الواجب من عباده إليه، وهو حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، فلو شاء الله تعالى لألزمنا قهرًا، كما قال تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) (مريم:93) ، فأنت عبد لله شئت أم أبيت، ولكن لأنك في دنيا ابتلاء واختبار ترك الله لك مجالًا في مسألة اختيار الكفر أو الإيمان، (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا. إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (الإنسان: 2 - 3) ، فترك الله تعالى لك الخيار حتى تتحمل
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)