حسنًا .. تفضل يا أركون وقدم لنا تطبيقًا للعلوم الإنسانية على التراث، لا يقدم لك شيئًا، وإنما يطرح عمومات، مع عشرات المرادفات للفظة يجب، ويفترض، وندشن، ونبدأ وهكذا.
كل مايقوله أركون هو"إعلانات بحوث"وليس"بحوث فعلية"، يبدوا أن أركون لم يفرق جيدًا بين معنى قولنا (فلان بحث المسألة) وقولنا (فلان يقول يجب أن نبحث المسألة) ، كل ما يفعله أركون ينتمي للجملة الثانية، وهو توزيع واجبات البحوث بأقصى كثافة ممكنة، هذا كل شئ .. خذ مثلًا بعض الأمثلة:
(بالطبع فإني لن أستطيع إنجاز هذا المشروع الكبير والعويص كله في هذه الدراسة وحدها، وإنما سوف أقدم بعض المعالم والصوى الضرورية التي لا بد منها لإنجاز مسار طويل عريض) [الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، أركون، 86] .
ويتحدث عن نصوصه البحثية فيقول:
(ليست النصوص المجموعة بين دفتي هذا الكتاب إلا معالم على الطريق الطويل والصعب، لتأسيس تاريخ منفتح وتطبيقي للفكر الإسلامي) [تاريخية الفكر العربي الإسلامي، أركون، 11] .
ويتحدث مرةً أخرى عن وجوبيات البحث:
(ينبغي أن نقوم بنقد جذري لكل التراث ضمن الخط الذي افتتحه -مثلًا- الفيلسوف بول ريكور في كتابيه: فن السرد، والزمن والحكاية) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 174] .
وهكذا يستمر على هذا الأسلوب، وبسبب أن كل كتاب جديد لأركون، ينتظر فيه القراء وعوده الواسعة بتطبيق العلوم الإنسانية على التراث؛ يكتشفون مجددًا أن الكتاب هو إعادة لنفس النغمة"يجب أن نطبق العلوم الإنسانية على التراث"، وبسبب ذلك فقد تعرض أركون لنقد لاذع، وقد كشف ذلك في أحد كتبه يقول:
(كان قرائي يعيبون علي دائمًا أني أتوقف كثيرًا وطويلًا عند الاعتبارات النظرية والمنهجية، دون أن أقدم أمثلة تطبيقية مقنعة على هذه التنظيرات) [قضايا في نقد العقل الديني، أركون، 52] .
وبدلًا من أن يقدم ما وعد به خلال أربعين سنة، راح أركون في كل كتاب جديد يلخص بعض كلام المستشرقين التقليدي في التطاول على القرآن، ويضيف إليه تعديد مجرد لطابور مصطلحات أنثروبولوجية لإيهام القارئ أن هناك شيئًا خطيرًا مدهشًا يملكه أركون!
آمل عزيزي القارئ أن تستمتع بحجم التمثيل في الشاهد التالي، وتأمل محاولة خداع القارئ بأن هناك شيئًا مدهشًا خطيرًا لا يستوعبه، يقول أركون:
(الذي يرسخ مجموعة أطروحات ومفاهيم مجمعة وملخصة داخل الميتافيزيك الكلاسيكي، نذكر من هذه المفاهيم: الانطولوجيا المتعالية، والزمن البروميثيوسي للتقدم المطرد، والتطور المطرد أو المثالي، ثم مفهوم التنمية بعدئذ، ومفهوم الفضاء المحسوس للإنتاجية، والعقل العلماني أو الدنيوي الذي يمنح الشرعية ثم الإدارة القمعية للأجساد الراغبة مع المونتاجات أو التركيبات الاستيهامية والهلوسية والتي تتيح ظهور الرجال العظام، أقصد الدولة والأمة القومية الحديثة) [الفكر الإسلامي قراءة علمية، أركون، 50] .
أعرف عزيزي القارئ أنك غارق في الضحك الآن، لكن صدقني أنه لا يلجأ لمثل هذه المسرحيات الاصطلاحية إلا شخص خالي الوفاض من مضامين حقيقية يقدمها.
إذا كان هذا هو النقد الفكري فهوعملية رخيصة جدًا، أستطيع أنا بالمقابل أن ألتقط من معاجم العلوم الإنسانية قافلة مصطلحات مع عبارات من مثل يجب أن نبحث وأن نستفيد من العلوم الإنسانية إلخ. ولأضرب على ذلك مثالًا يوضح سهولة التلاعب بمثل ذلك، أستطيع شخصيًا أن أقول:
(إن الخطاب العلماني والليبرالي العربي، حتى في أكثر مستوياته جذرية؛ لا يزال غير قادر على التعامل بشكل صحيح مع الغرب والدولة العربية والخطاب الديني، وهذا ناتج عن تدهور ميكانيزمات الفهم نتيجة عدم استثمار فتوحات العلوم الإنسانية المعاصرة، نحن بحاجة ماسة وسريعة لتوظيف نظرية"الالتباسات المترسبة"، ومفهوم"فيتيشية السلعة"، ومحاولة فهم ما يسمى"آلية الإقفال"وعلاقتها بالتطورات الفكرية للمجتمع، الواقع اليوم يؤكد -بما لا مجال للشك فيه- دور"الاستعارات العضوانية"وآلية"الدراما المقدسة"، في صياغة أكثر المظاهر تعقيدًا، لذا لا بد من التمييز الملح بين الجانسبينية المتطرفة والمعتدلة، إن فشلنا في ضبط توازنات الخطاب عائد لبعدنا عن الخصوبة التي يقدمها اليوم علم اللغة العصبي(نيورولينجويستيك) وما يمكن أن يقدمه لنا من فهم علمي لما يسمى ألسنيًا"مخزن"
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)