الموضع السابق.
وكذلك يلزم ـ على القول بأن من أظهر الكفر مختارًا لا يكون كافرًا في الباطن ـ أن من صدَّق الرسول باطنًا بل وظاهرًا ولكن قال: لا أتبعه بل أعاديه وأحاربه، لأني لا أستطيع أن أخالف أهل ملتي، لا يعد كافرًا في الباطن وهذا قول غلاة المرجئة الجهمية، وهو أفسد أقوال المرجئه، وفساده معلوم من دين الإسلام بالضرورة، ولو كان الأمر كما يزعمون لما كفر الجاحدون الذين قال الله فيهم {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام) ، قال شيخ الإسلام: (والمحبة تستلزم الإرادة، والإرادة التامة مع القدرة تستلزم الفعل، فيمتنع أن يكون الإنسان محبًا لله ورسوله مريدًا لما يحبه الله ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله، فإذا لم يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه الله عليه، ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، لم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان بقلبه وهو مع هذا يسب الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: هذا كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن ) ) مجموع الفتاوى (7/ 188) .
وأما ما يتعلق به من يزعم أن السجود أمام الصنم موافقةً للمشركين لا يكون شركًا من قول شيخ الإسلام رحمه الله: (وما كان كفرًا من الأعمال الظاهرة؛ كالسجود للأوثان، وسب الرسول، ونحو ذلك، فإنما ذلك لكونه مستلزمًا لكفر الباطن، وإلا فلو قدر أنه سجد قدام وثن ولم يقصد بقلبه السجود له، بل قصد السجود لله بقلبه، لم يكن ذلك كفرًا، وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه فيوافقهم في الفعل الظاهر، ويقصد بقلبه السجود لله، كما ذُكر أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من المشركين حتى دعاهم إلى الإسلام فاسلموا على يديه، ولم يظهر منافرتهم في أول الأمر) لا يمكن حمله على من يسجد مجاملة أو طمعًا، بل مراد الشيخ من تعمد السجود لله قدام وثن موهمًا للمشركين أنه يسجد لصنمهم خوفًا منهم لقوله: (وقد يباح ذلك إذا كان بين مشركين يخافهم على نفسه) .
وأما قوله: (كما ذكر أن بعض علماء المسلمين وعلماء أهل الكتاب فعل نحو ذلك مع قوم من المشركين حتى دعاهم إلى الإسلام فأسلموا على يديه، ولم يظهر منافرتهم في أول الأمر) .
ففيه إشكال من وجهين:
الأوَّل: قوله: (علماء أهل الكتاب) حيث قرنهم بعلماء المسلمين، ومعلوم أن علماء أهل الكتاب لن يدعوا المشركين إلى الإسلام، وقد قال في آخر كلامه: (حتى دعاهم إلى الإسلام فأسلموا) .
والجواب:
أن يقال أراد بعلماء أهل الكتاب من كان يكتم إيمانه بين قومه المشركين كالنصارى فهم مسلمون في الباطن وإن كانوا في الظاهر معدودين في أهل الكتاب، كما يذكر شيخ الإسلام هذا الصنف في تفسير بعض الآيات كقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلِه لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إَنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ} .
أو يقال: أراد بهم علماء أهل الكتاب قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد بالإسلام الإسلام العام الذي هو دين الرسل كلهم.
وقد كان منهم من يكتم إيمانه خوفًا ويتلطف في الدعوة إلى الإسلام، كما أخبر الله عن مؤمن آل فرعون، فقد كان يكتم إيمانه بموسى عليه السلام، ومع ذلك دعا قومه على التوحيد والإيمان باليوم الآخر.
وعلى هذا فالحامل لهم على السجود قدام الصنم هو الخوف من قومهم.
الوجه الثاني: من الإشكال قوله: (ولم يظهر منافرتهم في أول الأمر) .
يشعر بأنهم فعلوا السجود قدام الصنم تألفًا لهم من أجل دعوتهم لا خوفًا منهم.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)