قال الإمام أبو ثور رحمه الله:"فاعلم يرحمنا الله وإياك أن الإيمان تصديق بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، وذلك أنه ليس بين أهل العلم خلاف في رجل لو قال: أشهد أن الله عز وجل واحد وأن ما جاءت به الرسل حق وأقر بجميع الشرائع، ثم قال: ما عقد قلبي على شيء من هذا ولا أصدق به، أنه ليس بمسلم. ولو قال: المسيح هو الله وجحد أمر الإسلام وقال: لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن"اهـ [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي] .
قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله في الزواجر:"نقل إمام الحرمين عن الأصوليين أن من نطق بكلمة الردة، وزعم أنه أضمر تورية كفر ظاهرا وباطنا، وأقرهم على ذلك"اهـ.
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في رسالة نواقض الإسلام:"ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره"اهـ.
وقال أيضًا:"إذا عرفت أن أعظم أهل الإخلاص وأكثرهم حسنات لو قال كلمة الشرك مع كراهيته لها ليقود غيره بها إلى الإسلام حبط عمله وصار من الخاسرين، فكيف بمن أظهر أنه منهم وتكلم بمائة كلمة لأجل تجارة أو لأجل أن يحج لما مُنع الموحدين من الحج كما منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى فتح الله مكة"اهـ [الرسائل والمسائل النجدية 4/ 11] .
وقال أيضًا عند تفسير قوله تعالى (قل أفغير الله تأمرونني أعبد أيها الجاهلون) [الزمر:64] :"أن المسلم إذا أطاع من أشار عليه في الظاهر كفر، ولو كان باطنه يعتقد الإيمان، فإنهم لم يريدوا من النبي صلى الله عليه وسلم تغيير عقيدته، ففيه بيان لما يكثر وقوعه ممن ينتسب إلى الإسلام في إظهار الموافقة للمشركين خوفًا منهم، ويظن أنه لا يكفر إذا كان قلبه كارهًا له"اهـ [الدرر السنية 13/ 383 - 384] .
وقال أيضًا في رسائله الشخصية:"لو نُقدر أن السلطان ظلم أهل المغرب ظلمًا عظيمًا في أموالهم وبلادهم ومع هذا خافوا استيلاءه على بلادهم ظلمًا وعدوانًا رأوا أنهم لا يدفعونهم إلا باستنجاد الفرنج وعلموا أن الفرنج لا يوافقونهم إلا أن يقولوا نحن معكم على دينكم ودنياكم، ودينكم هو الحق ودين السلطان هو الباطل وتظاهروا بذلك ليلا ونهارًا مع أنهم لم يدخلوا في دين الفرنج ولم يتركوا الإسلام بالفعل، لكن لما تظاهروا بما ذكرنا ومرادهم دفع الظلم عنهم هل يشك أحد أنهم مرتدون في أكبر ما يكون من الكفر والردة إذا صرحوا أن دين السلطان هو الباطل مع علمهم أنهم الحق، وصرحوا أن دين الفرنج هو الصواب، وأنه لا يُتصور أنهم لا يتيهون لأنهم أكثر من المسلمين، ولأن الله أعطاهم من الدنيا شيئا كثيرا، ولأنهم أهل الزهد والرهبانية"اهـ.
وما سبق تقريره من النصوص ومن كلام أهل العلم هو الموافق لمذهب أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.
القاعدة الثانية: الكفر الأكبر لا يجوز للضرورة ولا لغيرها إلا المكره:
-قال الله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) [النحل:106] .
-وقد سبق من كلام ابن حزم رحمه الله قوله:"ولما قال تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا) ، خرج من ثبت إكراهه عن أن يكون بإظهار الكفر كافرًا إلى رخصة الله تعالى والثبات على الإيمان، وبقي من أظهر الكفر لا قارئًا ولا شاهدًا ولا حاكيًا ولا مكرهًا على وجوب الكفر له بإجماع الأمة على الحكم له بحكم الكفر وبحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وبنص القرآن على من قال كلمة الكفر إنه كافر"اهـ.
وسبق من كلام ابن الوزير اليماني رحمه الله قوله:"فقضى بكفر من قال ذلك بغير شرط، فخرج المكره بالنص والإجماع وبقي غيره"اهـ.
-وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين:"ولا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان"اهـ [3/ 145] .
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)