أيها المسلمون إن الصبر وحده هو الذي يتبين به جوهر الإيمان وحقيقته ومعناه, والصبر هو تيقن الإنسان أن الأمور كلها بيد الله؛ وأنه لا يقع في ملك الله إلا ما أراد, وأن يستقبل البلاء والضر بالتضرع إلى الله, وأن يشكر الله على النعم, فعلى قدر الصبر على البلاء يكون الصبر على النعم, وذلك بكيفية القيام بشكرها وواجباتها ومن يتدبر عواقب الأمور علم أن الأمر كله لله, فليس للإنسان من دنياه إلا أن يصبر لا يفرح على خير مسه, ولا يجزع لضر أصابه؛ لأن الصبر من أعظم العبادات؛ ولهذا قرنه الله بالصلاة التي هي عماد الدين فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} [1] وقدم الصبر على الصلاة؛ لتعظيم أمره والتنويه بشأنه, وأن معية الله متحققة للصابرين؛ لهذا قال الحبيب محمد - صلى الله عليه وسلم:"الصبر ضياء" [2] ؛ لذا قيل لا تسأل الله أن يخفف حملك, ولكن اسأل الله أن يقي ظهرك؛ لأن خفة الحمل وقلة المبالاة صفات قد يظهر بها الأطفال والصبيان, والذين لا يكلفون بشيء, أما مشاغل العيش, وهموم الواجب, ومرارة الكفاح فهي أخلاق السواعد الأبطال, والرجال المكافحين؛ لذا قال - صلى الله عليه وسلم:"من يرد الله به خيرا يصب منه" [3] فيود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض. فعن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"يؤتى بالشهيد يوم القيامة فينصب للحساب, ثم يؤتى بالمتصدق, فينصب للحساب, ثم يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان, ولا ينصب لهم ديوان, فيصب عليهم الأجر صبًا, حتى إن أهل العافية ليتمنون أن أجسادهم قرضت بالمقاريض من حسن ثواب الله لهم" [4]
فلا تظن أن من خلق مكتمل الأعضاء كمن هو فاقد بعضها, ولا تظن أن من رزق أموالا وأولادا كمن هو عقيم: {هل يستوي الأعمى والبصير أم هل يستوي الظلمات والنور} [5]
(1) - سورة البقرة آية 153
(2) - أخرجه مسلم , كتاب الطهارة, باب فضل الوضوء, رقم (223) ج 1 ص 203.
(3) - أخرجه البخاري , كتاب المرضى, باب ما جاء في كفارة المرضى, رقم (5321) ج5 ص 2138.
(4) - ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد , كتاب الجنائز,. باب جزيل ثواب المرض , رقم (3817) ج 3 ص 34وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه مجاعة بن الزبير وثقه أحمد وضعفه الدارقطني, وأخرجه المتقي الهندي في كنز العمال, الكتاب الثالث من حروف الهمزة في الأخلاق من قسم الأقوال {من كنز العمال} , الإكمال من الصبر على أنواع البلايا, رقم (6851) ج 3 ص610.
(5) - سورة الرعد آية 16