العقاب على المخالفين, ويرسل أقداره لتعمل عملها على اتساع القرون والأجيال, وعلى ضيق الأعمار, وفي حدود الرغبات, والثروات قال تعالى: {ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} [1] والصبر هو روح الخلافة في الأرض , وأساس الأمانة التي عرضت على السموات والأرض فأبين من حملها وأشفقن منها.
وهذا معناه أن أعباء الحياة لا يطيق بحملها المهازيل من الرجال, وإنما يقوى عليها الرجال البواسل الذين صدقوا الله في عهدهم وإيمانهم به سبحانه وتعالى.
فإن المرء إذا كان له متاع ثقيل يريد نقله من مكان لآخر, لم يستأجر له أطفالا أو مرضى, وإنما يختر له ذوي الكواهل الصلبة, والمناكب الشداد, كذلك الحياة لا يقوى على تأدية رسالتها الكبرى, ولا ينقلها من طور إلى طور إلا رجال أمناء وأبطال صابرون؛ ولهذا كان ابتلاء الله للإنسان على حسب قوة الإيمان يعظم الامتحان؛ كي يعظم الأجر, والذي لا صبر له ولا امتحان له, لا يحس بقيمة الحياة؛ لأنه كالأنعام إن ضاق بها الأمر, ولم تجد العشب ارتفع صياحها, وإن شبعت نامت وانتفخ بطنها, أما الإنسان فلأنه يحمل رسالة الخالق الأعظم, ومهمة التكليف الإلهي الجليل, ولما كانت تلك الرسالة ليست قاصرة على جانب من جوانب الحياة بل عبادات, ومعاملات, وأخلاق, وجنايات ربطت علاقة الإنسان بالله تعالى وبأخيه الإنسان على أسس قويمة من العدل والإنصاف, كان لابد لها من جوهر يربط بين أطرافها , وإذا كانت صلات الناس وصدقاتهم لا يكشفها إلا مر الأيام, واختلاف الحوادث, وكذا الإيمان لابد أن يخضع صلبه للابتلاء يمحصها ويبين حقيقتها, وهنا يظهر الجوهر بالصبر, فالصبر ضياء, ومن ثم كان نصيب القادة من الامتحان والبلاء مكافئا لما عندهم من إيمان ومواهب, فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل أي الناس أشد بلاء ً؟ قال - صلى الله عليه وسلم:"الأنبياء ثم الأمثل من الله فالأمثل, يبتلى الرجل على قدر دينه , فمن حسن دينه اشتد بلاءه , ومن ضعف دينه ضعف بلاءه وإن الرجل ليصيبه البلاء حتى يمشي على الأرض ما عليه خطيئة [2] ."
(1) - سورة الحج آية 47
(2) - أخرجه الترمذي , كتاب الزهد , باب 56 ما جاء في الصبر على البلاء , رقم (2398) ج 4 ص 601 -أخرجه الإمام أحمد في مسنده , حديث سعدبن أبي وقاص , رقم (1481) ج 1 ص 172 , ص 180 , ص 185 - وأخرجه ابن ماجة في سننه , كتاب الفتن , باب الصبر على البلاء , رقم (4024) ج 2ص 1334