فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 442

مساء, والليل يعقبه نهار, والنهار متعدد الأحوال, وكذا الليل, هكذا قدر الله الدنيا أن تكون, ولأهلها أن يمحصوا.

وليس اختبار الله للعباد كلامًا يكتب, أو أقوالا تصاغ, وإنما هو امتحان حقيقي بالمتاعب والآلام, والنعم والنقم على حد سواء, بالشدة والرخاء, بالغم والفرح والكرب واليسر, والكل فيه درس وعبرة وعظة.

لأن الإنسان خُلق ليرى كيف صنيعه, وكيف اختباره, ثم يشق الطريق كما يختار ثم يوقف للحساب, فما خلقت الدنيا إلا لذلك؛ لأن الله قبل خلقه الحياة خلق الموت, وخلق الموت والحياة لهذه المهمة, وهي الابتلاء والاختبار, وخلق البلاء والاختبار؛ ليعلم الصادقين؛ وليعلم المنافقين قال تعالى: {أم حسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكافرين} [1]

فالله سبحانه جعل الدنيا مرحلة يتبين فيها أسباب الرحمة والعقاب, وأحوال العباد على اختلاف أجناسهم, والعاقل الذي يعد منها العدة والزاد, فمن أدرك هذه الحقيقة, فهو بلا شك لا يتزود للدنيا, وإنما يتزود للمعاد, وكما في قوله تعالى: {خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور} [2]

من أدرك هذه الحقيقة علم أن الرخاء هو امتحان, والشدة لا تقل عنه بحال, فلابد من شكر النعم, والصبر على النقم, والكل من فضل الله, فمن أدي شكر النعم التي أنعم الله بها عليه, وحمد الله على ما أصابه من خير, كان أمره كله خير. ولا يظلم ربك أحدا.

فهذا هو سليمان عليه السلام كان عالما بطبيعة الحياة الدنيا عندما رزق التمكين في الأرض والقوة ماذا قال؟ قال: {هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم} [3]

معاشر المسلمين:

هذا والصبر نصف الإيمان, وهو من معالم العظمة, وبشارات الكمال, ومن دلائل هيمنة النفس على كل ما حولها؛ لذا كان من أسماء الله الصبور أي: الذي يتمهل ويبطئ في

(1) -- سورة العنكبوت آية 2

(2) - سورة الملك آية 2

(3) - سورة النمل آية 40

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت