الحمد لله رب العالمين, الذي خلق فسوى, والذي قدر فهدى, والذي أخرج المرعى, سبحانه الموصوف بالوجود والقدم, والباقي بعد فناء ملكه, والموجود قبل وبعد انتهاء ملكه.
ولا إله إلا الله كشف لعباده الصالحين عن الدنيا وآفاتها, وأطلعهم على عوراتها وعيوبها, فرأوا تجارة أبنائها فاسدة, متاعبها عليهم دائرة, فزهدهم فيها بأن أولها عناء, وآخرها فناء. قال تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [1]
عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ ألهاكم التكاثر قال - صلى الله عليه وسلم: يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت, أو لبست فأبليت, أو تصدقت فأبقيت. [2]
هي الدنيا تقول بملء فيها حذار ... حذار من بطشي وفتكى
فلا يغرركم مني ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي.
يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" [3]
حكي أن نبي الله سليمان سار يوما في موكبه: الطير تظله والجن والإنس عن يمينه وشماله, فرآه عابد من بني إسرائيل, فقال: يا نبي الله لقد أتاك الله ملكا عظيما.
فقال عليه السلام: لتسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطي سليمان بن داوود فإن التسبيحة تبقى وما أعطي ابن داود يفنى. [4]
وقيل لنوح عليه السلام: يا أطول ألأنبياء عمرا كيف وجدت الدنيا؟ فقال عليه السلام: كدار لها بابان دخلت من أحدهما, وخرجت من الآخر. [5]
(1) - سورة التكاثر الآيات 1: 4.
(2) - أخرجه مسلم في صحيحه, - كتاب الزهد والرقائق, رقم (2273) ج4 ص2273.
(3) - سبق تخريجه.
(4) - حلية الأولياء ج 2 ص 313 , ذم الدنيا ج 1 ص 31 ,إحياء علوم الدين ج 3 ص203.
(5) - تفسير النسفي ج 3 ص 253.