فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 442

والثانى: سرقة الأغنياء الذين ملكوا العمارات والسيارات, وبخلوا عن الطبقة الكادحة, فعرضوهم للسرقات, فقبل أن تقطع يد السارق ينظر هل الغني قام بواجبه فأدى حق الله أم لا؟ لهذا منع عمر- رضي الله عنه- إقامة الحد عام الرمادة والجدب والجوع؛ لأن الذي سرق مضطر ومع الاضطرار تنتفي الجريمة, وكان إذا أمّر أميرًا على بلد من البلاد, قال له عمر رضي الله عنه: ماذا تفعل لو أتوك بسارق؟ قال: أقطع يده.

قال عمر- رضي الله عنه- وإن جاءوني بجائع قطعت يدك أنت.

فالحدود والعقوبات ليست سيفًا مسلطًا على الرقاب, وإنما هي لحفظ التوازن الاجتماعي بين طبقات المجتمع, فالفقير إذا سرق لأنه لا يجد ما يأكله لا يقام عليه الحد, وإنما تقطع يده إذا خان, والغني الذي يتمادى في غناه, ويتأخر في مال الفقراء يظنه أنه حقه, هذا الذي يجب عليه العقاب, وإن لم يعاقب في الدنيا فله الويل في الآخرة؛ لأنه تسبب إلى إيجاد طبقة لا تعمل, ولا تجد ما تعمله؛ لأن المال قد يكون عند من لا يحسن التجارة فيه, وقد يحسن الإنسان التجارة, ولا يجد المال؛ لهذا أمر الله أن يكون المال وسيلة للمودة والتراحم والتعاون: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض} [1]

والله يقول في الحديث القدسي:"إن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الغني, ولو أفقرته لأفسده, وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلا الفقر, ولو بسطت له لأفسده ذلك" [2]

فالغنى والفقر أمران عرضيان قابلان للزوال في أي لحظة, فالغني هو الله, والمغني هو الله, والذي بيده خزائن السموات والأرض الله, ولقد فهم الصحابة ذلك خير منهم فتنافس الأغنياء منهم في التسابق إلى البذل والعطاء, ها هو أبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنه - في عهد قائد الأمة ونور الله المبين محمد - صلى الله عليه وسلم -.

جاء عمر - رضي الله عنه - فقسم ماله نصفين ووضع بضعه في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما عثمان رضي الله عنه فجهز ألف مقاتل في سبيل الله حتى قال - صلى الله عليه وسلم - فيه اللهم ارض عن عثمان فإني راض عنه.

(1) - سورة البقرة آية 251

(2) - سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت