فلا يفرح هؤلاء الذين يجمعون الأموال من الباطل والحرام, والذين يستغلون مصالح الضعفاء والمحتاجين, فلا يظنوا أنهم ناجون من عذاب الله, فإن الله يمهل ولا يهمل, ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته, وأخذه أخذ عزيز مقتدر: {إن بطش ربك لشديد, إنه هو يبدئ ويعيد, وهو الغفور الودود فعال لما يريد} [1]
يقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن أدنى أهل النار عذابًا ينتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه" [2]
يا أهل الإيمان
هذا واعلموا أن الجزاء من جنس العمل, ولقد ضرب الله لنا الأمثال في القرآن لنعتبر ونتذكر, ونعمل ونكد ونجد, فإن الفوز في السبق وفي ذلك فليتنافس المتنافسون, فبين الله لنا عاقبة الذين يسارعون في الإثم والعدوان وأكل الباطل و الحرام, والذين يتفننون في اللهو والغش والفجر والزور والبهتان, إن هؤلاء الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم, هؤلاء الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم, الذين تخلفوا عن منهج الله, وصموا آذانهم عن دعوة الله, أولئك لهم خزي في الدنيا, ولهم في الآخرة عذاب عظيم. وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون.
وسلى الله نبيه في حال هؤلاء الفاجرين الذين ينعمون بنعم الله ويتمرغون فيها وكأنهم ما خلقوا إلا للدنيا وسماهم الله كافرين؛ لأن الكفر على درجات وله معاني متعددة, فمعنى الكافر مأخوذ من كفر أي: ستر يقول كفر بالله أي: جحد به وستر وجود الله بجحوده إياه, ويقال للّيل: كافر؛ لأنه ستر ضوء النهار, وتسمى الصدقات والصيام لمن حنث في يمينه كفارة؛ لأنها تكفر الذنب, وتمحوه, وتستره.
فالذين لا يؤدون شكر نعم الله, ولا يقومون في الدنيا كما أمرهم الله سُموا بكفار؛ لأنهم ستروا نعم الله, ولم يؤدوا شكرها, وستروا الحقيقة التي خُلقوا من أجلها وهي: العبادة, وتمرغوا فيها كالأنعام, والبهائم, والوحوش.
(1) - سورة البروج آيات 12 , 13 , 14
(2) -أخرجه مسلم , كتاب الإيمان , باب أهون أهل النار عذابا , رقم (211) ج 1 ص 195.