فيقول الله تعالى: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} [1]
ولقد بين سبحانه أن البيع لا يكون حلالا إلا بالتراضي, فإذا لم يكن عن تراض, فهو أكل لمال الغير بالباطل وبدون حق؛ لأن الأموال محرمة كحرمة الأنفس.
قال - صلى الله عليه وسلم - يوم الحج الأكبر:"إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم, فلا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" [2] . والنفوس لا تطيب ببذل المال إلا عندما يتحقق العدل في البيوعات, فلا يبذل الإنسان مائة في ثمن ما قيمته عشرة إلا أن يكون مغبونًا أو مسترسلا أي: لا يعرف البيع والشراء, أو غبنه البائع في سعر المشترى.
والأصل في المسلم أنه يبذل النصيحة لأخيه المسلم, فذلك خير من الربح, ولو كان ذلك الربح كثيرًا.
ومن شأن المسلم أنه سمح في بيعه وشرائه وفي قضائه لدينه؛ لأنه لا يجب أخذ مال الغير بدون حق, فإذا كان الشيء يساوي عشرين لم يغبن البائع حقه, وإنما يعرفه بحقيقة ثمنه أو وجهة نظره فيه, وأنه يساوي كذا, ولهذا مدح - صلى الله عليه وسلم - التاجر الصدوق الذي يصدق مع نفسه ومع لناس ومع الله؛ لأنه يشتري شيئا بأقل من سعره أو قيمته ولا يزيد على غيره في ثمن ما, ولا يغابن ولا يحلف كذبا, ولا يقول بخلاف ما يبطن.
فقال - صلى الله عليه وسلم:"التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء" [3]
وقال - صلى الله عليه وسلم:"رحم الله رجلا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى , سمحا إذا اقتضى"
وعن عقبة بن عامر قال: قال - صلى الله عليه وسلم:"المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه غش إلا بينه له"
(1) -سورة الأنبياء آية: (47)
(2) - سبق تخريجه.
(3) - أخرجه الترمذي في سننه, كتاب البيوع, باب ما جاء في التجار وتسمية النبي صلى الله عليه وسلم إياهم, رقم (1209) ج3 ص515, قال أبو عيسى هذا حديث حسن.,و الدارمي في سننه, كتاب البيوع, باب في التاجر الصدوق, رقم (2539) ج2 ص322.