ولهذا ينصح النبي - صلى الله عليه وسلم - كل الأمة, وهو الناصح الشفيق:"ما منكم من أحد إلا وسيكلمه الله يوم القيامة, ليس بين الله وبينه ترجمان, ثم ينظر فلا يرى شيئا قدامه, ثم ينظر بين يديه فتستقبله النار تلقاء وجهه, فاتقوا النار ولو بشق تمرة" [1]
معاشر المسلمين:-
هذا والبيان القرآني الذي معنا اليوم يدعو فيه الخلاق العليم كل عباده في دنيا الحياة إلى العظة والاعتبار بالموتى وبالقبور, ولقد حكم على من لا يجد لنفسه في القبور موعظة تجعله في إقدام على الآخرة, وإدبار عن الدنيا بالقسوة وبالجمود وبالخسران. قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر بمن الخطاب - رضي الله عنه: يا عمر كفى بالموت واعظًا, فمن لم يتعظ بالموت, فلا واعظ له أبدا. [2]
يريد - صلى الله عليه وسلم - أن يلقي في روع المسلم حقيقة القبر, التي ليست قاصرة على العظة والاعتبار فحسب, بل ليبين لك أنك إذا ذهبت إلى القبور دائمًا أطول من حياة الدنيا تحتاج إلى زاد وعتاد.
ولقد صح أنه - صلى الله عليه وسلم - زار قبر أمه, فبكى حتى أبكى من حوله, ثم قال:"استأذنت ربي أن أستغفر لأمي, فلم يأذن لي فاستأذنته أن أزور قبرها, فأذن لي. فزوروا القبور فإنها تذكر بالآخرة". [3]
ولقد زار الإمام علي رضي الله عنه المقابر ذات يوم, فوقف قائلا: السلام عليكم دار قوم مؤمنين أنتم السابقون, ونحن إن شاء الله بكم لاحقون, أما الديار فقد سكتت, وأما الأموال فقد قسمت, وأما الأزواج فقد نكحت, فهذا خير ما عندنا, فما خير ما عندكم ثم أنصت قليلا. وقال: والذي نفسي بيده لو أذن الله لهم بالكلام لقالوا: إن خير الزاد التقوى. [4]
(1) - أخرجه البخاري, كتاب الرقاق, باب من نوقش الحساب عذب, رقم (6174) ج5 ص2395, وبأرقام: (7005, 7074) وأخرجه مسلم في صحيحه, كتاب الزكاة, 20 - باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار, رقم (1016) ج2 ص703.
(2) - سبق تخريجه.
(3) - سبق تخريجه.
(4) - تاريخ دمشق ج 42 ص 499 , المستطرف ج 2ص 610.