واهتم السلف الصالح ببيان هذه الأشياء, وكيف يحصل للإنسان منها الاستعداد فقالوا: إن حب الدنيا يقسي القلب, والإقبال عليها والانشغال بها يجعله يزداد قسوة, وإذا قسا قلبا لعبد لا ينفع معه عبادة, فإن القلب القاسي بعيد عن الاعتبار, والاتعاظ بعيد عن الله, بعيد عن الناس.
وإنما يلين القلب القاسي بأمور من أهمها زيارة القبور, وحضور مجالس الوعظ من الصالحين, وسماع أخبار من مضى من الزهاد والعباد, وأعظم شيء في هذا هو: ذكر الموت.
دخلت امرأة على عائشة رضي الله عنها فقالت: يا أماه فهي أم المؤمنين أجمعين, ما دواء القلب القاسي؟ فقالت لها: دواؤه أن تكثري من ذكر الموت.
وذلك لأن فائدة ذكر الموت تحصل في ردع الإنسان عن المعاصي, إذا جعل الإنسان نصب عينيه أنه ميت لا محالة, وقد يأتي الموت الآن, أو بعد لحظات, أو ساعات, أو أيام, وأن كل لحظة تمضي من عمره هي نقصان فيه, فإنه يكون دائم الحزن لا يفرح بإقبال الدنيا وإدبارها, وفي ذلك نجاة وسعادة, وقد لا يتحقق للإنسان العظة من حضور الجنازات؛ لأن قلبه قاسي بعيد عن الله؛ لأنه لا يفهم معنى الموت, ولا يعني ما نزل بهؤلاء الأموات, وأنه سوف يحل به ما حل بهم عن قريب أو بعيد, وكل ما هو آت قريب.
فإن حال الميت شديد, ولا يسلم منه إلا من رحمه الله, إلا من نجاة الله بعونه ورعايته. إذا نظرنا في هدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - نجده يوضح حال الإنسان أثناء الموت فيقول:"المؤمن يموت بعرق الجبين" [1]
وذكر الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ارقبوا للميت عند موته ثلاثة: إن رشحت جبينه, وذرفت عيناه, وانتشر منخراه, فهي رحمة من الله تعالى قد نزلت به. وإن غط غطيط البقر المخنوق, وخمد لونه, وازبد شدقاه فهو عذاب من الله قد حل به" [2] "
(1) - سبق تخريجه.
(2) - سبق تخريجه.