ثم تسكن, الأزهار والثمار تراها خضراء قد أينعت, ثم تصفر, وتذبل, وتجف, وتلك هي نهاية كل حي, المال يفنى, والجاه والملك لا يبقى, وكل جسد يبلى, والسلطان يزول, والعز لا يدوم, وسبحان الله الباقي بعد كل زوال, الذي يغير ولا يتغير, بيده الحياة والممات.
قال تعالى: {يقلب الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [1]
ما في الحياة بقاء ... ما في الحياة ثبوت
نبني البيوت وحتما ... تنهار تلك البيوت
تموت كل البرايا ... سبحان من لا يموت
قال تعالى: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [2]
فتفكروا أيها الناس في هذه اللحظات, وهذه الساعات الرهيبة الخطيرة في حياة كل إنسان, تفكر أيها الغافل, أيها الغافل في الموت وسكرته, وصعوبته, ومرارته, أو حلاوته وبشارته, اللهم اجعلنا من أهل البشرى عند الموت, وبشرنا بالجنة والوعد الحق عند الموت, فيا للموت من وعد ما أصدقه, ومن حاكم ما أعدله, لو تفكرت هذه العاقبة لو جعلتها نصب عينيك, لخرجت من الدنيا بسلام بأمان وإيمان, لو تفكرت يا ابن آدم هذا المفزع يوم الوفاة, لا تجد لك في هذه الدنيا الرحبة الفسيحة شربة ماء, ولا ذروة هواء, أين هواؤك يا دنيا؟ أين نهارك يا دنيا؟ ما أبعدها عني الآن ,, آه عندما يخلعوا عنك حسن الثياب, ويلفلفوك في أثواب من القماش, لو تتذكر ساعة الفراق, ساعة أن تحمل على الأعناق, هذا باكي, وذاك شامت, وكيف حالك إلى أين؟ إلى أين؟ إنه السفر الطويل.
كيف المصير؟ كيف عندما توضع في حفرة مظلمة تحت التراب, وفي جوف الأرض نقلت من السعة إلى الضيق, خانك الصاحب والرفيق, هجرك الابن والأخ والصديق, أخذت من فراشك وسريرك إلى التراب بعد لين اللحاف, إلى الرمال والتراب. أين المال؟ أين الأهل؟ أين الزوجة؟ أين الأبناء والأحفاد؟ أين الأقارب والخلان؟ أين الأصدقاء والأحباب؟
(1) - سورة النور آية 44
(2) - سورة الرحمن آية 26