عظمة ونور من الملك العظيم, ليلة أقسم الله ببركتها, ليلة نور, ليلة سلام, ليلة أمن وأمان, ليلة عطاء وبرهان, ليلة عيد في الملأ الأعلى, إنها ليلة العيد الأكبر لعالم الملائكة, ليلة نزول القرآن, تلك الليلة التي أذن الله فيها لنوره أن يسطع في الآفاق, تلك الليلة التي أنزل الله فيها هدايته وتجلياته وقرآنه على عبده النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - , وهو بغار النور هناك وفي أطراف مكة جبريل الوحي الأمين في ليلة التقت فيها السماء بالأرض, وتدلت الأفلاك, وترنبت السماء, وأشرقت الأرض بنور ربها, ووضع الكتاب, وأذن الله للنور أن يشرق, ولشمس البشرية أن تسطع, فنادى جبريل الوحي وأمينه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - , وضمه ضمة العطاء والقرب: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَم عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [1]
إنها ليلة كلها أنوار, وفضلها من فضل رب العالمين, ليلة يقول عنها الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم:"ليلة القدر في العشر البواقي, من قامهن ابتغاء حسبتهن, فإن الله تبارك وتعالى يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, وهي ليلة وتر تسع أو سبع أو خامسة أو ثالثة أو آخر ليلة, إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة, كأن فيها قمرًا ساطعًا, ساكنة, ساجية, لا برد فيها ولا حر, ولا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى تصبح, وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية, ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر, ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ" [2]
في هذه الليلة تنزل ملائكة الله على عباد الله المقربين, الذين حققوا الغاية من الصيام, صاموا ورشدوا وقاموا لياليهم مع القرآن يبلغونهم سلام الله, فملائكة الله تنزل على كل قلب خاشع منيب لله تعالى, وأنوار الله يثبت بها المؤمنين في دنياهم, وذلك عاجل بشرى المؤمن, ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الأسوة الحسنة, فقد كان ينزل عليه جبريل عليه السلام, ولا ينكر أحد ذلك كله, وهو النور المبين كما قال رب العالمين.
(1) سورة العلق الآيات 1 , 2 ,3 , 4 , 5
(2) - أخرجه الإمام أحمد في مسنده, (حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه) , رقم (22817) ج5 ص324, و تعليق شعيب الأرنؤوط: الشطر الأول من الحديث حسن وأما الشطر الثاني فمحتمل للتحسين لشواهده وإسناد هذا الحديث ضعيف, وأخرجه المتقي الهندي في كنز العمال, كتاب الصوم من قسم الأقوال, {الإكمال} من ليلة القدر , رقم (24085) ج 8 ص 891.