فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 442

مبارك أقسم الله ببركته في القرآن فقال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [1] : {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين} [2]

يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة, ويحط عنكم الخطايا, ويباهي بكم الملائكة, فأروا الله من أنفسكم خيرا.

فهذا الشهر من حكمه تحقيق المباهاة بالعباد الصائمين ـ فإن الله لما جعل في الأرض خليفة وقال لملائكته ذلك: {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} [3] : {قال إني أعلم ما لا تعلمون} [4]

والملائكة عباد مكرمون, يعبدون الله ولا يأكلون ولا يشربون, ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون, فإذا صام المؤمنون وتشبهوا بالملائكة وهم أجسام نورانية, إذا صام المؤمنون حق الصيام عن الشهوات كلها, وعكفوا على طاعة الله, باهى الله بهم ملائكته, ألم أقل لكم إني أعلم ما لا تعلمون.

وإنما تتحقق المباهاة بالصائم القائم المخلص في صيامه لله, الذي تنور باطنه, وأثر فيه الصيام والقيام, فصار عبدًا نورانيًا, اتصل كلية بالملأ الأعلى, وتنور باطنه بنور الإيمان, إن الإيمان إذا دخل القلب انفسح الصدر, وانشرح, ولا يتحقق ذلك إلا لمن انتصر على نفسه وهواه وشيطانه ودنياه, عندئذ تتحقق المباهاه, يباهي الحق بعباده الصائمين ملائكة العلا والسماء, فتتشوق الملائكة لرؤياهم, فيؤمرون بالنزول إلى هؤلاء الصائمون القائمون في ليلة هي ليلة النهى, ليلة القرب والعطاء, ليلة القدر والشرف والمقام: {سلام هي حتى مطلع الفجر} [5]

أيها الصائمون:

اعلموا أننا نعيش هذه البقية من شهر الصيام, تحفنا فيها أنوار نزول القرآن, في ليلة التجلي والشرف والمقام ـ تلك ليلة القدر, تلك الليلة التي من قامها إيمانًا واحتسابًا عند الله, غفر له ما تقدم من ذنبه, وكتب له بها عبادة ألف شهر, بل أفضل وخير من ألف شهر

(1) - سورة البقرة آية (185) .

(2) - سورة الدخان آية (3)

(3) - سورة البقرة آية (30) .

(4) - سورة البقرة آية (30) .

(5) - سورة القدر آية (5)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت