هذا وبعد أيام يستقبل المسلمون شهرًا مباركًا ألا وهو شهر رمضان, شهر الصوم, والذي يدعونا فيه ربنا بهذه الدعوة الخاصة أن نكون فيه ضيوفا عليه, في رحاب الله, في ضيافة الله, على موائد كرم الله وعفوه ومعونته, ولأهمية الصيام في الإسلام ولفضل شهر رمضان من بين سائر شهور العام, نجد اهتمامًا كبيرًا في القرآن والسنة المطهرة, وليس أدل على ذلك من نداء رباني إلهي, ودعوة خاصة للأطهار المؤمنين الأخيار, لأداء هذه الفريضة المباركة فريضة الصيام.
وأما السنة فإنها المذكرة الإيضاحية التفسيرية للقرآن العظيم من خلال هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وأقواله وأفعاله, وتوجيهاته نتعلم ونعمل, فلقد كان المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يستقبل هذا الشهر المبارك والعظيم استقبالا خاصًا؛ لخصوصية هذا الشهر بين سائر الشهور, فقد كان يكثر من الصيام في شهر شعبان, وما كان يحب صيام شهر بعد رمضان إلا شهر شعبان, فكان يصله برمضان وهذا استعداد منه لهذا الشهر المبارك والعظيم.
ولقد دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمة أجمع أن تهيئ نفسها لهذا الشهر, وتستقبل هذا الضيف العزيز, يروي سيدنا أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة, وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين, وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل, ويا باغي الشر أقصر, ولله عز وجل عتقاء من النار, وذلك عند كل ليلة" [1] .
وفي رواية للبخاري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار" [2]
وهذا الحديث يحمل في طياته دعوة للمسلم أن يستقبل هذا الشهر بقلب طاهر, بروح نقية, ونفس زاكية ذكية, وبتوبة صادقة مع الله تعالى, فإذا كانت أبواب الجنة تفتح, فهذا حث على الترغيب في فعل الخيرات والإكثار منها, فهو موسم طاعة وخير, وجهاد, ومسارعة في الخيرات.
وإذا كانت أبواب النار قد غلقت, فلا مجال فيه للشحناء, والخصام, والحقد, والنفاق, لا مجال فيه للرياء والعراك, والقتال, إذا كانت مردة الجان, والشياطين قد صفدت بالسلاسل
(1) - أخرجه الترمذي في سننه, كتاب الصوم, باب ما جاء في فضل شهر رمضان, رقم (682) ج3 ص66, وأخرجه ابن ماجة في سننه, كتاب الصيام, باب ما جاء في فضل شهر رمضان, رقم (1642) ج1 ص526.
(2) - سبق تخريجه.