فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 442

والنداء في هذه الآية للمؤمنين, وهذا يعني أن لا يستجيب لنداء الله سبحانه إلا المؤمنين, وهذا يفيد عند تقرير حقيقة الصيام, وأنه أنواع, منها المقبول ومنها المردود, فكأنه لا يستجيب لنداء الله, ويصوم صيامًا مقبولا بشرائطه الشرعية إلا من كان مؤمنا حقًا, لماذا؟ لأن الصيام كغيره من العبادات, له غاية بل غايات وأوامر الله لا ينبغي أن نعللها بهذه العلات, ولكن الأمر ينفذ؛ لأنه أمر من صاحب كل أمر, ومع هذا فيشرع الله للناس العبادات لعلهم يتذكرون, ويهتدون, ويتقون؛ لأن الله غني عن طاعات الطائعين, ولا يضره معصية العاصين, بل كرمًا منه وتفضلا بين لهم الغاية من هذه التشريعات, وهي تحقيق سعادة الإنسان في دنياه وأخراه, فالغاية من الصيام هي التقوى: {لعلكم تتقون} فالصيام تدريب للإنسان كي يصل إلى درجة التقوى, وهي غاية التشريعات كلها؛ لأن التقوى وقاية بين الله وآفات الدنيا ووبائها, والصيام كذلك جنة أي: وقاية من الآفات, والأمراض, والعذاب, فالصوم جنة كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولما كانت الغاية من عبادة الصيام هي التقوى, فقد شُرِع للأمم السابقين من قبل, فالشرائع السماوية كلها متفقة على أصول خمسة: حفظ الدين, والنفس, والعرض, والعقل, والمال.

وحفظ هذه المصالح يقتضي تشريع العبادات المتنوعة, والمعاملات المتعددة, فمن العبادات الصيام, وهي شريعة قديمة عرفها الناس منذ عرفوا الوحي والدين, حيث كان لموسى عليه السلام صيام, ولداود عليه السلام صيام, وما من شريعة إلا دخلها التعبد بالصيام, ففي القرآن حديث واضح عن أمر الله لمريم بالصيام: {فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا} [1]

والنبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن موسى كان يصوم أربعين يوما, وكان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية, وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصومه, فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان, ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه. [2]

أيها المسلمون:

(1) - سورة مريم آية (26) .

(2) -أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب الصوم, باب صيام يوم عاشوراء, رقم (1898) ج2 ص704, و أخرجه مسلم في الصيام باب صوم يوم عاشوراء رقم (1126) ج2 ص792.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت