أهل الأرض جميعًا, من خلالها يستطيع كل عاقل منصف أن يفهم جوهر الدين الإسلامي الشريف.
وهي: أن هجرات الأنبياء كلهم لم يرد الأمر بها إلا بعد البيان بإهلاك المعاندين والكافرين, بخلاف هجرته - صلى الله عليه وسلم - صاحب اللواء المعقود, والحوض المورود, والمقام المحمود الذي شهد له الحق بالخلق العظيم, وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم
وقد كان كلما اشتد إيذاء المشركين له رفع يديه إلى السماء وقال:"اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" [1]
وكان عندما يشتد الإيذاء عليه ويطلب منه أحد المسلمين المستضعفين آنذاك أن يدعو الله عليهم فيقول: إني أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به.
فهنا لما صدر الأمر بالهجرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - , ولم يصدر أمر بالهلاك للمعاندين كان ذلك إيذانا بإجابة دعوته - صلى الله عليه وسلم - , أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده, وأن يحقق الله سبحانه وتعالى المباهاة الشاملة بأنه سيد الخلق من بعد حتى يكون - صلى الله عليه وسلم - أكثر الأنبياء تابعًا, وبيان لما يختلف فيه الإسلام عن غيره من سائر الديانات السابقة, حيث كانت مخصوصة بأقوام معينين, وأزمنة معينة, بخلاف دعوة الإسلام, وأنها دعوة للكل, للكافة, للعالمين جميعًا إلى يوم الدين.
وفي هذا يقول - صلى الله عليه وسلم:"إن الله عز وجل إذا أراد رحمة أمة من عباده قبض نبيها قبلها, فجعله لها فرطًا وسلفًا بين يديها, وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حي, فأهلكها وهو ينظر, فأقر عينه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره" [2]
فهنا بيان لخصوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه الرحيم والرؤوف بالمؤمنين, وصاحب الشفاعة, فكان لكل نبي دعوة مستجابة, فتعجل كل نبي دعوته. نوح قال: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا , وقد ادخر النبي - صلى الله عليه وسلم - دعوته شفاعة لأمته وهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئا.
بعد الهجرة إلى المدينة
(1) - سبق تخريجه.
(2) - سبق تخريجه.