وكان نص البيعة كما يقول عبادة بن الصامت: بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة الحرب, بايعناه على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا, ومنشطنا ومكرهنا, وألا ننازع الأمر أهله, وأن نقول الحق أينما كان, لا نخاف في الله لومة لائم. [1]
وبهذا الحلف الجديد, انفتح للإسلام باب آخر من الدعوة في المدينة, فكان ذلك تمهيدًا للهجرة الشريفة.
4 -تآمر قريش على قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - , وهذا هو منتهى الإفراط في الغلو والإيذاء للنبي - صلى الله عليه وسلم - , كما قال الله تعالى: {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} [2]
فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين بالهجرة, فرادى وجماعات بعد بيعة العقبة الثانية, وأرسل مصعب بن عمير سفيرًا إلى دار الهجرة, يدعوهم إلى الإسلام, واتخذ مصعب رفيقًا له في الدعوة من أهل يثرب, وهو أسعد بن زرارة أحد الذين أسلموا في السنة الحادية عشرة من النبوة, وقد أقام مصعب بن عمير في بيت أسعد بن زرارة, يدعو الناس إلى الإسلام, حتى لم يبق بيت في المدينة ولا دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون, قبل أن يقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة, وانتظر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرة كثير من المسلمين إلى حين أن يأذن الله له, فنزل قول الله تعالى: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} [3] قال ابن كثير: مدخل صدق: المدينة ومخرج صدق: مكة [4]
وقال البخاري: ثم أمر الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالهجرة, فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان أمام أمر, وليس إذن.
لماذا هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد كان من الممكن أن ينتصر بمكة؟
عدة أسباب منها:
1 -أن الله سبحانه أراد ألا يكون حملة راية الإسلام إلا قوما رأوا في الإسلام عوضًا عن أهلهم, وأوطانهم, وأموالهم, وحتى يظهر مدى قوة الإيمان لدى المسلمين الأول, الذي دفعهم إلى ترك الأوطان والمال, ويظل هذا درس بليغ لمعنى الإيمان على مدى الدهر.
(1) - أخرجه الإمام أحمد في مسنده, (حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه) , رقم (22752) ج5 ص316.
(2) - سورة الأنفال آية (30)
(3) - سورة الإسراء آية (80)
(4) - تفسير ابن كثير ج 3 ص 82.