في قوله صلى الله عليه وسلم: (أدعوى الجاهلية؟ قالوا: لا، قال: لا بأس) .
دليل على"أن الاستغاثة ليست حراما، وإنما الحرام ما يترتب عليها من دعوى الجاهلية" [1]
وأنّ التداعي والتعزّي بدعوى القرآن والإسلام فلا بأس بها بل هي من السنن والمستحبات لحديث الحارث بن الحارث الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فادعوا بدعوى الله الذي سمّاكم المسلمين، المؤمنين، عباد الله) وفي رواية: (تداعوا بدعوى الله الذي سمّاكم بها، المسلمين، المؤمنين، عباد الله) [2] ولهذا لما ولّى المسلمون يوم حنين قال صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب: (ناد يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة) قال العباس: (وكنت رجلا صيّتا، فقلت: يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، فرجعوا كعطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبّيك، يا لبّيك، قال: فاقتتلوا والكفار. وارتفعت أصوات الأنصار وهم يقولون: يا معشر الأنصار مرتين، ثم قصرت الدعوة على بنى الحارث بن الخزرج، فقالوا: يا بنى الحارث بن الخزرج، يا بنى الحارث بن الخزرج، قال: وتطاول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته فقال: هذا حين حمي الوطيس ... ) [3] . فإن هذه الدعوى دينية شرعية على أمور جهادية فلا محذور فيما شابهها من الدعاوى، لأنه إذا جاز للمرء نصرة قومه على الحق ولا يعدّ ذلك من العصبية فلئن يجوز الاعتزاء إليهم لنصرة الحق والدين أجوز، ومن السنة أن يقاتل الرجل تحت راية قومه في الجهاد في سبيل الله. والله تعالى أعلم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (من سمعتموه يتعزّى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) [4] فقد قيّد في الحديث نفسه بعزاء الجاهلية، وهو كل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو
(1) فتح الباري (6/ 632)
(2) حديث صحيح رواه الإمام الطيالسي (1257 - 1258) وعبد الرزاق (20709) وأحمد (4/ 130، 202) والترمذي (2863) والنسائي في الكبرى وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم.
(3) خرجه الإمام مسلم والفسوي في التاريخ وعبد الرزاق وأحمد وابن سعد والنسائي في الكبرى والحميدي والبيهقي في الدلائل من طريق الزهري عن كثير بن العباس عن أبيه.
وفي الباب عن أبي سفيان بن الحارث وأنس وعتبة بن فرقد مرفوعا.
وفيه من المراسيل عن طلحة بن مصرّف:"لما انهزم المسلمون يوم حنين نودوا يا أصحاب البقرة فرجعوا ولهم حنين يعنى بكاء"رواه أبن أبي شيبة بسند صحيح عنه.
ومن الموقوفات عن عروة بن الزبير:"كان شعار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم مسيلمة يا أصحاب سورة البقرة"رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وغيرهم بسند صحيح عنه. انظر موسوعة فضائل سور وآيات القرآن (1/ 97 - 99) للشيخ محمد بن رزق الطرهوني فكّ الله أسره من زنازين آل سعود.
(4) خرّجه الإمام أحمد (21256) والنسائي في الكبرى (8813) وابن جبان (3153) والطبراني (532) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه حديث حسن.