ليس الكلام في تأليف الناس إلى الدين بالإحسان، والبشر وحسن الخلق. وكذلك تقديم العطايا إليهم إن ظهرت لولاة الأمر المصلحة في ذلك، فإن ذلك باب آخر لسنا في إطار البحث فيه وتفصيل القول في خلافياته. وإنما محلّ ذلك المطوّلات من كتب السنة والفقه الإسلامي.
ومن الخلاصات المهمّة في ذلك قول أبي عيسى الترمذي قال رحمه الله تعالى:"وقد اختلف أهل العلم في إعطاء المؤلفة قلوبهم، فرأى أكثر أهل العلم أن لا يعطوا، وقالوا: إنما كانوا قوما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفهم على الإسلام حتى أسلموا، ولم يروا أن يعطوا اليوم من الزكاة على مثل هذا المعنى. وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وغيرهم، وبه يقول أحمد وإسحاق."
وقال بعضهم: من كان اليوم على مثل حال هؤلاء، ورأى الإمام أن يتآلفهم على الإسلام فأعطاهم جاز ذلك وهو قول الشافعي" [1] ومنه قول شيخ الإسلام:"والمؤلفة قلوبهم نوعان: كافر، ومسلم. فالكافر إما أن يُرجى بعطيّته منفعته كإسلامه، أو دفع مضرّته إذا لم يندفع إلا بذلك. والمسلم المطاع يرجى بعطيّته المنفعة أيضا كحسن إسلامه أو إسلام نظيره أو جباية المال ممن لا يعطيه إلا لخوف، أو النكاية في العدو، أو كفّ ضرره عن المسلمين إذا لم ينكفّ إلا بذلك. وهذا النوع من العطاء وإن كان ظاهره إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء كما يفعل الملوك، فالأعمال بالنيّات فإذا كان القصد بذلك مصلحة الدين وأهله كان من جنس عطاء النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه. وإن كان المقصود العلو في الأرض والفساد كان من جنس عطاء فرعون" [2] ."
وإنما كان كلامنا يدور حول إسقاط حدّ الردة بحجة التأليف إلى الدين انطلاقا من قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه) . وقد بان للمنصفين وهاء هذا القول وبطلانه بالوجوه المتقدمة. وبالله تعالى التوفيق.
(1) جامع الترمذي (2/ 204) .كتاب الزكاة. باب (30) .حديث رقم (672)
(2) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص75 - 76