ليست بنا حاجة إلى تعريف النفاق والمنافقين، فإن ذلك من المسائل المشتهرة التي صارت من علم العامة فضلا عن الخاصة. والمقصود في هذا المقام: التنبيه على وسائل الكشف عن هؤلاء فنقول:
هناك طريقان للكشف عن النفاق والمنافقين:
الأولى: طريق الوحي المنزّل. وهي طريقه قطعية إجماعية، يقبح التدليل عليها.
الثانية: طريق الشواهد والقرائن، فقد تدل بعض الظواهر على بعض البواطن دلالة الدخان على النار واللازم على الملزوم، وذلك أن الإيمان والنفاق أصله في القلب، وما يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه، فإذا ظهر من الرجل شيء من ذلك ترتب الحكم عليه، فلما أخبر سبحانه أن الذين يلمزون النبي صلى الله عليه وسلم والذين يؤذونه من المنافقين ثبت أن ذلك دليل على النفاق وفرع له، ومعلوم أنه إذا حصل فرع الشيء ودليله حصل أصله المدلول عليه. [1] وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ونفاقهم يعرف تارة بالكلمة يسمعها منهم الرجل المؤمن فينقلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيحلفون بالله أنهم ما قالوها، أو لا يحلفون، وتارة بما يظهر من تأخرهم عن الصلاة والجهاد، واستثقالهم للزكاة وظهور الكراهية منهم لكثير من أحكام الله، وعامتهم يعرفون في لحن القول، ويعرفون بسيماهم، ولا يمكن عقوبتهم باللحن والسيما، فإن موجبات العقوبات لا بدّ أن تكون ظاهرة الظهور الذي يشترك فيه الناس، ومنهم من كان يقول القول، أو يعمل العمل، فينزل القرآن يخبر أن صاحب ذلك القول والعمل منهم، وكان المسلمون أيضا يعلمون كثيرًا منهم بالشواهد والدلالات والقرائن والأمارات، ومنهم من لم يكن يعرف) .
وقال رحمه الله (ومن علم منه الاجتهاد السائغ فلا يجوز أن يذكر على وجه الذم والتأثيم له فإن الله تعالى غفر له خطأه بل يجب لما فيه من الإيمان والتقوى موالاته ومحبته، والقيام بما أوجب الله من حقوقه: من ثناء ودعاء وغير ذلك. وإن علم منه النفاق كما عرف نفاق جماعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل عبد الله بن أبي وذويه، وكما علم المسلمون نفاق سائر الرافضة: عبد الله بن سبأ وأمثاله: مثل عبد القدوس بن الحجاج ومحمد بن سعيد المصلوب فهذا يذكر بالنفاق. وإن أعلن بالبدعة ولم يعلم هل كان منافقا أو مؤمنا مخطئا ذكر بما يعلم منه) [2] .
(1) الصارم لمسلول على شاتم الرسول (جـ2/ 76)
(2) مجموع الفتاوى (28/ 234)