في اليوم الخامس من شهر ديسمبر عام 1942 طبعت الحكومة الألمانية سرًا صورة طبق الأصل من صحيفة (( واشنجتون بوست ) )الأمريكية واسعة الإنتشار زيفتها بطريقة محكمة و دقيقة لدرجة يصعب معها على أي أمريكي يواظب على قراءة هذه الصحيفة أن يكتشف هذا التزيف و التقليد. ثم هربت الآلاف منها الى معسكرات جنود الحلفاء داخل القواعد الأوربية بطريقة غاية في التمويه عن طريق جواسيسهم.
وفي هذا العدد نشرت الحكومة الألمانية الى جانب المواد العادية مقالًا ذيلته بتوقيع كاتب أمريكي معروف , يتضمن نقدًا للشعب الألماني يجعل شعوب الحلفاء يتعاطفون معه لأنه يجعلهم في صورة الشعب المغلوب على أمره.
ثم تناول المقال بعد ذلك مواطن الضعف في قوات الحلفاء و بالغ فيها. وهذا هو جانب الخطورة في المقال , لأنه تحدث عن هذه الجوانب و كأنها خلل لا يمكن تداوله , الأمر الذي كاد أن يشيع اليأس في نفوس الجنود الذين كانوا يحاربون حتى ذلك الوقت بروح معنوية عالية , و الذين لم تكن لديهم فكرة حول مواطن الضعف التي تحدث عنها المقال و التي لم تكن أبدًا على هذا المستوى من المبالغة والتهويل التي صورها به.
يُستخدم هذا الأسلوب كثيرًا في الحرب النفسية. فالألمان حين يطبعون سرًا مجلة أمريكية شهيرة هي (( واشنجتون بوست ) ), ويقلدونها تقليدًا محكمًا إنما يريدون بذلك أن يجعلوا دعايتهم تأتي من أفواه الأمريكيين أنفسهم , و بذلك تكون أقرب للتصديق , و أقل مقاومة. ذلك لأن كلًا منا لا يقاوم الأخبار أو الأفكار التي يقرأها في مجلات بلاده بقدر ما يقاوم الأخبار أو الأفكار التي يقرأها في مجلة عادية.
و قد نجح الألمان في عملية التقليد هذه الى حد بعيد لدرجة جعلت من الصعب على الأمريكيين تمييزها. كما أن النجاح الثاني يتمثل في تهريب هذه المجلة بأعداد ضخمة الى المعسكرات الأمريكية. لأن هذا النجاح يضفي على السلطات الألمانية براعة أخرى الى براعة تقليد المجلة ذاتها.
و بذلك إستطاع الألمان بهذه الخطة المحكمة البارعة إضعاف الروح المعنوية في نفوس الحلفاء بطريقة فنية ماكرة.