بعد أن أتم الرسول صلى الله عليه وسلم إخضاع بني المصطلق , أمر رجاله بالعودة الى المدينة , وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها قد رافقت الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة , وكانت نحيفة خفيفة فكانوا إذا جائوا بالهودج الى بابها خرجت إليه فأخذه الرجال وشدوه الى البعير وهم لا يكادون يشعرون بها لخفة وزنها. ولمَّا إقترب الركب من المدينة نزل منزلًا بات به بعض الليل ثم أ ذِّن في الناس بالرحيل. وكانت أم المؤمنين عائشة قد خرجت من خيمة النبي صلى الله عليه و سلم لبعض حاجتها و الهودج موضوع أمام الخيمة في إنتظار دخولها فيه , و كان لعائشة عقد قد إنسل من عنقها و هي تقضي حاجتها فلما قامت عائدة الى الرحيل التمست العقد فلم تجده فرجعت أدراجها تبحث عنه. ولمَّا رجعت الى المعسكر لتستقل هودجها فإذا بالقوم قد شدوه الى ظهر البعير وهم يحسبونها فيه و ارتحلو في إتجاه المدينة , ولم يساور السيدة عائشة الخوف لعلمها أن القوم إذ إفتقدوها فلم يجدوها رجعوا إليها. فالتفت في جلبابها و انتظرت عودة الباحث عنها , و أنها في إنتظارها إذ مر بها صفوان بن المعطل السلمي وكان تخلف عن المعسكر لبعض حاجته , فلما بصر بها على هذا الحال تراجع دهشًا و قال (( ظعينة رسول الله , ما خلفك رحمك الله؟ فلم تجبه فقرب بعيره منها و إستأخر عنه ) )و قال: (( إركبي فركبت وانطلق بالبعير سريعًا يطلب القافلة فلم يدركاها , ودخل صفوان المدينة في وضح النهار بأعين الناس , و عائشة على ظهر بعيره حتى وصلت الى منزلها ) ).
وبدأ الناس يتهامسون! ما بال عائشة قد تأخرت عن المعسكر و جاءت مع صفوان على بعيره , و صفوان شاب وسيم الطلعة مكتمل الشباب؟ وانتهز عبد الله بن أبي زعيم المنافقين في المدينة الفرصة فأخذ يذيع هذه الشائعة الخبيثة التي تتهم أم المؤمنين عائشة في عرضها و التي أخذت تنتشر بسرعة في كل مكان بالمدينة , و الناس بين مصدق و مكذب حتى كاد الأمر يؤدي الى فتنة في عاصمة الرسول صلى الله عليه و سلم.
و بلغت هذه الأخبار محمدًا صلى الله عليه و سلم ولم يُبلغ السيدة عائشة و إن أنكرت من زوجها جفاء لم تعرفه عنه , و لمَّا إشتد عليها المرض طلبت من النبي صلى الله عليه وسلم السماح لها بالانتقال الى دار أبيها أبي بكر رضي الله عنه لتقوم أمها بتمريضها .. و انتهى الخبر آخر الأمر الى أم المؤمنين عائشة , فلمَّا عرفته كاد يُغشى عليها من هوله و انطلقت تبكي حتى شعرت كأن كبدها تتصدع , ودخل النبي صلى الله عليه و سلم و عندها أبوها و قد إشتد حزنها لِما رأته من ريبة زوجها بها. و لمَّا طلب منها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتوب إلى الله إن كانت قد إقترفت سوءًا , أجابته و هي تبكي بحرقة: و الله إني أعلم أنك أقررت بما يقول الناس و الله يعلم بأني بريئة
إنما أنا كما يقول أبو يوسف
(( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) )