الصفحة 4 من 56

(( الحرب خدعه ) ).. هذه هي الفكرة الرئيسية التي تعتمد عليها الحرب .. والتي يعبر عنها الحديث الشريف بأنصع عبارة و أجلى بيان. والواقع اننا اذا تأملنا كيف تدور رحى الحرب .. وماهي الوسائل التي يتخذها كل جانب فيها .. لكي ينتصر على الجانب الاخر .. ويفرض ارادته .. و يكفل سلامته .. لوجدنا ان القتال المباشر .. و الالتحام الفعلي .. والصدام في صورته النهائية سواء كان ذلك طعنًا بالسيف او الخنجر او كان ضربا بالرصاص او قصفًا بالمدافع .. او كان تدميرًا بالقنابل و كل اسلحة الحرب الحديثة .. أقول .. أننا لو تأملنا حقيقة الأمر لوجدنا ان هذا القتال المباشر و الاتحام الفعلي هو المرحلة الاخيرة التي يلجأ اليها المحارب لكي يحقق الهدف الذي يسعى اليه .. بعد أن يكون قد إستنفد كل ما في جعبته من وسائل و أساليب. فالحرب بالطبع ليست مطلوبة لذاتها إلا في حالات نادرة من جنون الهمجية و الوحشية .. وهي حالات لا يمكن أن تعد قياسًا .. ولكنها مطلوبة باعتبارها ضرورة لا مفر منها .. و طريقة يستخدمها المقاتلون بعد أن تكون أعيتهم الحيل و الوسائل .. و لسنا هنا في حاجة الى بيان أن الحرب تنقسم قسمين يختلفان عن أحدهما الاخر أشد الاختلاف .. فهناك الحرب العدوانية أو الإستعمارية التي يشنها طرف معتد بقوته .. صلف بعدته و عتاده .. مدفوع باطماع الثروة .. أو المجد .. أو الإستعلاء .. ضد طرف ضعيف .. أو متخلف .. أو تعوزه القوة المادية و السلاح الذي يدافع به عن نفسه غائلة العدوان .. أو ضد طرف منافس له يتسابق هو الاخر بحافز الجشع و الصلف و الإعتداد بالقوة نحو غنيمة مشتركة .. فلا يحل هذا النزاع أو التدافع نحو النهب .. إلا بحرب السيف أو بنيران القتال. وهذه هي الحرب التي أجمعت كل الشرائع الدينيه و الخلقية و الإنسانية على إدانتها وتجريمها.

و هناك الحرب الاخرى المشروعة التي يقاتل فيها الانسان دفاعًا عن وطنه .. أو عقيدته أو حريته .. أو كرامته .. ضد العدوان الذي يستهدف الغزو أو الإمتهان أو الإذلال .. أو القسر الغاشم .. وهي التي إعتبرتها كل الشرائع واجبا مقدسًا .. و ميدانًا يجود فيه الإنسان بالنفس و النفيس عن طيب خاطر بل يقبل فيه كل تضحية مهما عزت .. إذ الإنسان بطبيعته يعتبر الحياة في ظل الإمتهان و القسر و العدوان .. قد فقدت معناها ولم تعد لها قيمة.

على أن الجانب الجدير بالإهتمام هنا هو أن للحرب وسائلها المختلفة التي توظف كلها لخدمة هدف واحد .. هو الإنتصار على الطرف الأخر .. و فرض التسليم عليه ..

عن طريق ممارسة كل أنواع الضغط عليه .. بكل درجاتها .. إبتداء من ترويج

الشائعات .. و إذاعة البلبلة في النفوس .. و السعي الى أن يفقد الناس- في بلاد العدو-

ثقتهم بقادتهم .. و بأنفسهم .. و بمقدرتهم .. حتى إيقاع الضغط الإقتصادي ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت