كانت مدينة برلين بعد الحرب العالمية الثانية كما كان الحال في ألمانيا تعاني أزمة غذائية عنيفة بسب النقص الفادح في المواد التموينية, وكان سكانها يعيشون حالة عميقة من التوتر النفسي و القلق نظر للتصدع الذي أصاب الحياة الإقتصادية و الإجتماعية في برلين نتيجة لسلسلة من الكوارث لم يسبق لها مثيل من أعمال التعذيب الوحشية التي مارسها رجال الجستابو و ضرب العاصمة الألمانية بقنابل طائرات الحلفاء بقسوة , و أخيرًا المجاعة و الهزيمة التي مزقت كيان الشعب و جعلته دائما التفكير طوال الوقت في الطعام.
في وسط هذا الوسط المشحون أطلقت شائعات تروي أن رجلًا كفيفًا كان يسير و يتحسس الطريق. و بينما كان ينتظر عبور الطريق عرضت عليه سيدة أن تساعده فشكر لها مساعدتها , و سألها إن كان بإمكانها أن تحمل رسالة الى أحد اصدقائه الذين يقطنون بجوار المكان الذي يسيرون فيه.
وافقت السيدة على ذلك و سارت في طريقها , و لكنها إلتفت خلفها مصادفة فاكتشفت أن الرجل الأعمى الذي كان يتحسس طريقه منذ لحظة راح يجري بسرعة مذهلة دون أن يحمل الافتة التي تبين أنه كفيف , وهنا ثار الشك في نفس السيدة , فذهبت الى قسم الشرطة و أبلغت عما حدث وقد وجد رجال الشرطة في المنزل الذي أعطى عنوانه (( جثة آدمي أعدت للبيع على أنها لحم عادي ) ).
وبفض الرسالة التي أعطاها الرجل للسيدة وجد رجال الشرطة بداخلها هذه الكلمات
(( هذه آخر جثة اليوم ) ).
وذلك يعني أن اللحم الآدمي كان يؤكل في ألمانيا في ذلك الحين , و إنتشرت الشائعة فأثارت ضجة كبيرة داخل المجتمع الألماني و خارجه و أثرت في السلوك العام تأثير بالغًا!!
و الشائعة بطبيعتها تعتمد في إنتشارها على عملية الإيحاء النفسي الذي يكسر مقاومة متقبل الشائعة و يسهل عليه مأمورية تصديقها و إذاعتها.
و هناك نوع أساسي من الإيحاء هو إيحاء الأغلبية , فكل فرد يميل الى تصديق ما تجمع عليه أغلبية أفراد مجتمعه .. و قد دلت بحوث كثيرة على أثر هذا النوع من الإيحاء , و لعل في إنتشار الشائعة بين عدد كبير من الأفراد ما يدعمها و يزيد من قابلية إنتشارها بردجة كبيرة.
و تنتشر الشائعات بنوع خاص في أوقات الأزمات حينما يختل الإتزان الإنفعالي للفرد , و حين يدفعه هذا الإختلال الى عدم التميز بين ما يتردد ليفرق بين المعقول وغير المعقول.