الصفحة 35 من 56

في الثامن عشر من شهر يوليو عام 1941 كان تشرشل يخطب في إجتماع عام في مدينة مانشستر , وحدث أن قاطعه أحد الحاضرين أثناء خطبته فسارعت الإذاعة الألمانية لتعلن أنه وقع شغب في الإجتماع أدى الى فضه. و لكي تبرهن على ما أعلنته راحت تذيع أكثر من مرة تسجيلأصوتيًا للمقاطعة بحيث لاحت و كأنها مظاهرة في الإجتماع.

و كان تشرشل رمزًا للكفاح الوطني البطولي , و لكن تصويره على النحو الذي قدمته الإذاعة الألمانية الى مستمعيها جعلت الرأي العام العالمي و قطاعًا كبيرًا من الرأي العام الإنجليزي نفسه يتصور أن تشرشل فقد مكانته السياسية البارزة لدى مواطنيه ولم يعد له ذلك البريق الوطني الذي كان يتمتع به من قبل.

و لكي تؤكد الإذاعة الألمانية حقيقة ما أعلنته عن تشرشل أذاعت في اليوم التالي أنها ستوافي مستمعيها بآراء بعض المواطنين الإنجليز و هي آراء يفهم المرء من مضمونها أن الشعب الإنجليزي ليس راضيًا عن وجود هذا الرجل على رأس جهاز السلطة التنفيذية في بريطانيا.

كان تشرشل في الحرب العالمية الثانية رمزًا للحلفاء جميعًا , ولم يكن قاصرًا على إنجلترا وحدها , فقد كان الرجل يتمتع بثقة شعوب كثيرة , وكانت ألمانيا تهدف دائما الى تحطيم هذا الرمز و خلخلة الصورة التي اكتسبها تشرشل بين الحلفاء , ولم تكن الطرق المباشرة لتنجح في ذلك بطبيعة الحال , و لذلك كان على ألمانيا أن تلجأ لأساليب الحرب النفسية في مهاجمة تشرشل.

وقد إستغلت ألمانيا فرصة مقاطعة خطابه في مانشستر و التي قام بها أحد أفراد شعبه و قد كان هدف هذه المقاطعة بعيدًا كل البعد عن الهدف الذي كانت تريد ألمانيا أن تضفيه عليه , ولكن براعة ألمانيا تكمن في إنتهاز الفرصة المناسبة فأذاعتها و رددتها عددًا من المرات لتضفي على المقاطعة صورة التمرد و العصيان و عدم الرضى لتقنع الرأي العام العالمي بأن تشرشل لم تعد له المكانة التي كان يتمتع بها من قبل و أن تصرفاته أصبحت مجالًا للطعن و المؤاخذة.

و ارادت ألمانيا أن تحبك هذه الخدعة من الحرب النفسية فأذاعت بعد ذلك بأنها ستوافي مستمعيها بآراء الإنجليز أنفسهم عن تشرشل لتكون أقوى أثرًا على الرأي العام.

و هذا يبين بوضوح أن كثيرًا من أساليب الدعاية المضادة يوجه الى رمز القوة في الشعب لزعزعة الثقة في الصورة التي تتكون لديهم عن هذا الرمز , فتكون هذه اللحظه هي الفرصة الذهبية لتحقيق الأهداف الهدامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت