في الحرب العالمية الأولى لجأت بريطانيا الى أسلوب بارع الحرب النفسية، إذ كانت تعمل على نشر بعض القصص في صحف البلاد المحايدة بحيث تبدو هذه القصص في الظاهر و كأنها ضد الحلفاء في حين أنها تحمل بين طياتها ما يفيد في المعركة.
من ذلك مثلًا أن بريطانيا كانت تعلم أن الحكومة الألمانية قد منعت بيع اللحوم ثلاثة أيام في الأسبوع. فعمدت الى إحدى الصحف البلجيكية وطلبت إليها أن تنشر قصة التذمر بين الجماهير البريطانية , لأن حكومتها أصدرت قرار بمنع بيع اللحوم يوم واحد في كل أسبوع , وتصورت الصحافة الألمانية أن نشر أخبار هذا التذمر سيرفع معنويات الشعب الألماني لأنه سيدرك أن الجماهير الغاضبة في بريطانيا لن تقف الى جانب حكومتها , وكان هذا تصور خاطئًا لأن هذه الأخبار لم تحد تنشر في الصحف الألمانية حتى إزداد تذمر الشعب الألماني من حكومته التي تحرمه من تناول اللحوم ثلاثة أيام في الأسبوع بينما لا يحرم منها الشعب البريطاني إلا يوم واحدًا فقط ورغم هذا فهو ساخطًا أيضًا.
في هذا المثال نوع جديد من الحرب النفسية يحتاج الى براعة في تنفيذه و إخراجه. فالداعي قد يوجه الدعاية لتظهر و كأنها موجهة ضده , و لكنها تحمل بين جنباتها الكثيرمن الدعاية المضادة لعدوه , و تعمل على إثارة الحماس في الإتجاه الذي يريده هو.
فقد عرف الإنجليز أن الألمان قد نظموا بيع اللحوم في ألمانيا بحيث منعت بيعا ثلاثة أيام شأنها في ذلك شأن الكثير من الدول الأخرى في أوقات كهذه , ولم يكن يشعر الألمان تجاه هذا التصرف بشيء من الإمتعاض أو التذمر لولا إستغلال الإنجليز لهذه الحالة العادية في أوقات الحرب في نشر دعاية مضادة الى الألمان لتثير الإضطراب و الشغب , فقد أخرجت قطعة دعائية وكأنها موجهة ضد الحكومة الإنجليزية و خاصة أنها نشرتها في إحدى الصحف الغير بريطانية.
فإذا رأى الألمان أن الشعب الأنجليزي و هو ما يُعرَف عنه من التضحية و التحمل يثور من أجل الحرمان من اللحوم يومًا واحدًا في الأسبوع و هم يحرمون منها ثلاثة أيام فإن ذلك يخلق في نفوسهم مرارة لا تلبث أن تظهر في صورة من صور التمرد علمًا بأن إنجلترا كانت تدخل اللحوم ضمن مواد التموين. وقد انطلت هذه الخديعة على الصحف الألمانية و راحو ينقلون هذه الصورة المموهة عن الشعب الإنجليزي للشعب الألماني , وقد وقعو بذلك في الفخ الذي نصبته لهم الحكومة الإنجليزية.
ومن ذلك نرى أن كثيرًا من الأخبار التي تبدو طبيعية وعادية , قد تحمل بين طياتها دعاية تسري دون أتتحقق من هدفها ويتبقى لنا تأملها تمامًا قبل تصديقها و نقلها