ومع هذا الحشد من الصور الحية المتحركة النابضة، تلك التوجيهات والتقريرات التي يتميز بها أسلوب القرآن، ومنهج القرآن التربوي العجيب: «وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ» ..
وكان ذلك في مطالع المعركة، حيث بدأ المسلمون يحسون المشركين، أي يخمدون حسهم، أو يستأصلون شأفتهم. قبل أن يلهيهم الطمع في الغنيمة. وكان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قد قال لهم: «لكم النصر ما صبرتم» فصدقهم اللّه وعده على لسان نبيه.
«حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» ..
وهو تقرير لحال الرماة. وقد ضعف فريق منهم أمام إغراء الغنيمة ووقع النزاع بينهم وبين من يرون الطاعة المطلقة لأمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وانتهى الأمر إلى العصيان. بعد ما رأوا بأعينهم طلائع النصر الذي يحبونه. فكانوا فريقين: فريقا يريد غنيمة الدنيا، وفريقا يريد ثواب الآخرة. وتوزعت القلوب فلم يعد الصف وحدة، ولم يعد الهدف واحدا. وشابت المطامع جلاء الإخلاص والتجرد الذي لا بد منه في معركة العقيدة. فمعركة العقيدة ليست ككل معركة. إنها معركة في الميدان ومعركة في الضمير. ولا انتصار في معركة الميدان دون الانتصار في معركة الضمير. إنها معركة للّه، فلا ينصر اللّه فيها إلا من خلصت نفوسهم له.
وما داموا يرفعون راية اللّه وينتسبون إليها، فإن اللّه لا يمنحهم النصر إلا إذا محصهم ومحضهم للراية التي رفعوها كي لا يكون هناك غش ولا دخل ولا تمويه بالراية. ولقد يغلب المبطلون الذين يرفعون راية الباطل صريحة في بعض المعارك - لحكمة يعلمها اللّه - أما الذين يرفعون راية العقيدة ولا يخلصون لها إخلاص التجرد، فلا يمنحهم اللّه النصر أبدا، حتى يبتليهم فيتمحصوا ويتمحضوا .. وهذا ما يريد القرآن أن يجلوه للجماعة المسلمة بهذه الإشارة إلى موقفهم في المعركة، وهذا ما أراد اللّه - سبحانه - أن يعلمه للجماعة المسلمة، وهي تتلقى الهزيمة المريرة والقرح الأليم ثمرة لهذا الموقف المضطرب المتأرجح! «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ» .. والقرآن يسلط الأضواء على خفايا القلوب، التي ما كان المسلمون أنفسهم يعرفون وجودها في قلوبهم ..
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُرِيدُ الدُّنْيَا حَتَّى نَزَلَتْ فِينَا يَوْمَ أُحُدٍ: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ [1] .. وبذلك يضع قلوبهم أمامهم مكشوفة بما فيها ويعرفهم من أين جاءتهم الهزيمة ليتقوها! وفي الوقت ذاته يكشف لهم عن طرف من حكمة اللّه وتدبيره وراء هذه الآلام التي تعرضوا لها ووراء هذه الأحداث التي وقعت بأسبابها الظاهرة: «ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ» ..
(1) - المعجم الأوسط للطبراني - (1453) حسن