بل هُو العذابُ الذِي استعْجلْتُم بإِنْزالِهِ بِكُم، حِين قُلْتُمْ لِرسُولِكُم {فأْتِنا بِما تعِدُنآ إِن كُنت مِن الصادقين} إِنّهُ رِيحٌ تحمِلُ إِليكُمْ عذابًا مُهْلِكًا شدِيد الإِيلامِ. وهذهِ الرِّيحُ التي أرسلها اللهُ على قوْمِ عادٍ تُهلكُ وتُخرِّبُ كُلّ شيءٍ مرّتْ بِهِ بإِذن ربِّها. ووصفها تعالى في آيةٍ أخْرى بأنّها {ما تذرُ مِن شيْءٍ أتتْ عليْهِ إِلاّ جعلتْهُ كالرميم}
وسلّط اللهُ تعالى هذهِ الرِّيح العاتية على قومِ عادٍ، فهبّتْ عليهِمْ سبْع ليالٍ وثمانِية أيّامٍ كامِلاتٍ مُتتالِياتٍ، فأهْلكتْهُمْ جميعًا، ولم تترُكْ لهُمْ في أرْضِهِمْ مِنْ باقِيةٍ، ولم يعُدْ يُرى في دِيارِهم إِلاّ مساكِنُهُمْ خالِيةً لا ساكِن فِيها. ويُخْبِرُ تعالى أنّهُ يُعاقِبُ بِمِثْلِ هذِهِ العُقُوبةِ كُلّ منْ كذّب رُسُلهُ، وخالف أوامِرهُ.
وقدْ مكنّا لِقومِ عادٍ في الدُّنيا فِيما لمْ نُمكِّنْكُمْ فيهِ، وأعْطيناهُمْ ما لمْ نُعْطِكُم مِثْلهُ، ولا قريبًا مِنْهُ، مِن الأمْوالِ الكثِيرة، والأولادِ، وبسْطةِ الأجْسام، وقُوّةِ الأبدانِ، وجعلْنا لهُمْ أسْماعًا وأبْصارًا، فلم يسْتعْمِلُوا شيئًا مِنْ أسْماعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأفْئِدتِهِمْ فِيما خُلِقتْ لهُ، ولمْ ينْتفِعُوا بِها في الاهتداء إِلى وُجودِ الخالِق ووحْدانِيتهِ، وقُدْرتِهِ العظِيمةِ على الخلْقِ، لأنّهُمْ كانُوا يُكذِّبُون رُسُل اللهِ، ويُنْكِرُون آياتِهِ فأنزل اللهُ تعالى بأْسهُ وعذابهُ عليهِم، وأحاط بِهِم العذابُ الذِي كانُوا يسْتهِزِئُون بِهِ، ويسْتبْعِدُون وُقُوعهُ بِهِمْ، فاستعْجِلُوهُ. فلْيحْذرْ مُشْرِكُو مكّة أنْ ينْزِل بِهِمْ ما نزل بِقوْمِ عادٍ، إِذا استمروُا على كُفْرِهِمْ وتكْذِيبهِمْ.
ولقدْ أهْلك اللهُ تعالى القُرى مِنْ حوْلِ مكّة (مِثْل عادٍ وثمُود ومدْين وقوْمِ لُوطٍ) ،وأهْلُ مكّة يعْرِفُون منازِل تِلْك الأقوامِ، وكانُوا يمُرُّون بِها وهُمْ غادُون رائِحُون في أسْفارِهِمْ، وقدْ أهْلك اللهُ أهْل هذهِ القُرى بعْد أنْ أنْذرهُمْ، وحذّرهُمْ، وضرب لهُمُ الأمثال، وبيّن لهُمْ دلائِل قُدْرتِهِ لعلّهُمْ يرْجِعُون عنْ غيِّهِمْ وطُغْيانِهِمْ، فلم يرْجِعُوا، ولمْ يتّعِظُوا، فأخذهُمُ اللهُ أخْذ عزِيزٍ مُقْتدِرٍ. فهلاّ نصرهُمُ الأرْبابُ الذِين اتّخذُوا عِبادتهُمْ قُرْبةً يتقرّبُون بِها إِلى اللهِ فِيما زعمُوا، حِينما نزل بِهِمْ بأسُ اللهِ وأمْرُهُ فأنْقذُوهُمْ ممّا نزل بِهِمْ؟ لكِنّ هؤُلاءِ الأرْباب أصْنامٌ لا تضُرُّ ولا تنْفعُ وقدْ غابُوا عنْهُم، وهُمْ أحْوجُ ما يكُونُون إِليهِمْ. وعجْزُ هؤُلاءِ الأرْبابِ عنْ نُصْرتِهِمْ أثْبت لهُمْ أنّهُمْ كانُوا كاذِبِين في اتّخاذِهِمْ آلهةً، وأنّهُم يفْترُون على اللهِ الكذِب في زعْمِهِمْ أنّهُم يُقرِّبُونهُم إِلى اللهِ زُلْفى، ويشْفعُون لهُمْ عِنْد اللهِ تعالى [1] .
وأخو عاد هو هود - عليه السلام - يذكره القرآن هنا بصفته. صفة الأخوة لقومه. ليصور صلة الود بينه وبينهم، وصلة القرابة التي كانت كفيلة بأن تعطفهم إلى دعوته، وتحسن ظنهم بها وبه. وهي ذات الصلة بين محمد - صلى الله عليه وسلم - وقومه الذين يقفون منه موقف الملاحاة والخصومة.
والأحقاف جمع حقف. وهو الكثيب المرتفع من الرمال. وقد كانت منازل عاد على المرتفعات المتفرقة في جنوب الجزيرة - يقال في حضر موت.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 4410، بترقيم الشاملة آليا)