الله من دخل، ومن أبى قتل، ودانت العرب كلها له، وانضوت تحت لوائه، وحقت عليهم كلمة ربك وفى هذا تعجيب مما حل بهم، ودلالة على شدته وفظاعة أمره كما لا يخفى. [1]
وقال تعالى: {ولقدِ اسْتُهْزِئ بِرُسُلٍ مِّن قبْلِك فحاق بِالّذِين سخِرُواْ مِنْهُم مّا كانُواْ بِهِ يسْتهْزِؤُون} (10) سورة الأنعام
ويُسلِّي اللهُ تعالى رسُولهُ - صلى الله عليه وسلم - عمّا يُلاقِيهِ مِنْ عِنادِ الكُفّارِ وتكْذِيبِهِمْ، وإِصْرارِهِمْ على الباطِلِ، فيقُولُ لهُ: لقدِ اسْتُهْزِئ بِرُسُلٍ جاؤُوا قبْلك، وسخِر مِنْهُمُ الكافِرُون مِنْ قوْمِهِمْ، ومِن العِقابِ الذِي أنْذرُوهُمْ بِهِ، فعاقب اللهُ الذِين سخِرُوا مِنْهُمْ فدمّرهُم، ونصر رُسُلهُ والمُؤْمِنِين، وكانتِ العاقِبةُ لِلْمُؤْمِنِين فِي الدّنْيا والآخِرةِ. قُلْ يا مُحمّدُ لأُولئِك المُكذِّبِين المُسْتهْزِئِين الجاحِدِين بِما جِئْتهُمْ بِهِ: سِيرُوا فِي الأرْضِ، وتتبّعُوا أخْبار الأُممِ التِي عاشتْ فِيها، ثُمّ انْظُرُوا كيْف كانتْ نِهايةُ المُكذِبِين، وعاقِبةُ بغْيِهِمْ وتكْذِيبِهِمْ، فاعْتبرُوا بِذلِك المصِيرِ. [2]
وقوله تعالى: «وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» هو مواساة للنبىّ الكريم، وعزاء له، مما يلقى من المشركين من عناد، وما يساق إليه منهم من ضر وأذى .. فتلك هى سبيل حملة الهدى من عباد الله .. فكم لقى رسل الله من أقوامهم من عنت وبلاء، حتى لقد قتل بعضهم، ومثّل به أشنع تمثيل .. ولكن العاقبة للحق والخير، والنصر لدعوة الحق والخير .. والويل والخذلان والخزي لأولئك الذين كذّبوا برسل الله وسخروا منهم واستهزءوا بهم .. «فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» أي أحاط بهم واشتمل عليهم استهزاؤهم وسخريتهم، فهذا الاستهزاء هو الذي أوردهم موارد الهالكين في الدنيا، وأنزلهم منازل أصحاب النار في الآخرة.
فإن شك هؤلاء المكذبون، المستهزءون بآيات الله وبرسول الله .. إن شك هؤلاء في المصير الذي هم صائرون إليه، فلينظروا فيما كان لأمثالهم، الذين كذبوا بآيات الله وبرسل الله، «قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» لقد أخذهم الله بكفرهم وعنادهم، وأرسل عليهم الصواعق، وصبّ عليهم البلاء، وإذا هم في لحظة خاطفة جثث هامدة، وأشلاء ممزقة .. وإذا هم صائرون إلى مصير يلقون فيه العذاب الأليم .. «وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» . [3]
أخبر الله رسوله بأن الكفار قد استهزءوا برسل كرام قبلك كما جاء في قوله: «وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» فما تراه من استهزاء كفار قريش بك ليس ببدع منهم بل هم جروا فيه على
(1) - تفسير المراغي (13/ 106)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 800، بترقيم الشاملة آليا)
(3) - التفسير القرآني للقرآن (4/ 136)