فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 849

إنهم - في الجيل الأول - لم يكونوا يقرءون القرآن بقصد الثقافة والاطلاع، ولا بقصد التذوق والمتاع. لم يكن أحدهم يتلقى القرآن ليستكثر به من زاد الثقافة لمجرد الثقافة، ولا ليضيف إلى حصيلته من القضايا العلمية والفقهية محصولًا يملأ به جعبته. إنما كان يتلقى القرآن ليتلقى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه، كما يتلقى الجندي في الميدان"الأمر اليومي"ليعمل به فور تلقيه!

ومن ثم لم يكن أحدهم ليستكثر منه في الجلسة الواحدة، لأنه كان يحس أنه إنما يستكثر من واجبات وتكاليف يجعلها على عاتقه، فكان يكتفي بعشر آيات حتى يحفظها ويعمل بها فعن ابن مسعود قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن.

عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: «حَدَّثَنَا الَّذِينَ، كَانُوا يُقْرِؤُنَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُسْتَقْرَئُونَ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،فَكَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يُخْلِفُوهَا حَتَّى يَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنَ الْعَمَلِ، فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا» [1]

هذا الشعور .. شعور التلقي للتنفيذ .. كان يفتح لهم من القرآن آفاقًا من المتاع وآفاقًا من المعرفة، لم تكن لتفتح عليهم لو أنهم قصدوا إليه بشعور البحث والدراسة والاطلاع، وكان ييسر لهم العمل، ويخفف عنهم ثقل التكاليف، ويخلط القرآن بذواتهم، ويحوله في نفوسهم وفي حياتهم إلى منهج واقعي، وإلى ثقافة متحركة لا تبقى داخل الأذهان ولا في بطون الصحائف، إنما تتحول آثارًا وأحداثًا تحوِّل خط سير الحياة.

إن هذا القرآن لا يمنح كنوزه إلا لمن يُقبل عليه بهذه الروح: روح المعرفة المنشئة للعمل. إنه لم يجيء ليكون كتاب متاع عقلي، ولا كتاب أدب وفن، ولا كتاب قصة وتاريخ - وإن كان هذا كله من محتوياته - إنما جاء ليكون منهاج حياة. منهاجًا إلهيًّا خالصًا. وكان الله سبحانه يأخذهم بهذا المنهج مفرقًا، يتلو بعضه بعضًا: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء:106]

لم ينزل هذا القرآن جملة، إنما نزل وفق الحاجات المتجددة، ووفق النمو المطَّرِد في الأفكار والتصورات، والنمو المُطَّرِد في المجتمع والحياة، ووفق المشكلات العملية التي تواجهها الجماعة المسلمة في حياتها الواقعية. وكانت الآية أو الآيات تنزل في الحالة الخاصة والحادثة المعينة تحدث الناس عما في نفوسهم، وتصوِّر لهم ما هم فيه من الأمر، وترسم لهم منهج العمل في الموقف، وتصحح لهم أخطاء الشعور والسلوك، وتربطهم في هذا كله بالله ربهم، وتعرِّفُه لهم بصفاته المؤثرة في الكون، فيحسون حينئذ أنهم يعيشون مع الملأ الأعلى، تحت عين الله، في رحاب القدرة. ومن ثم يتكيفون في واقع حياتهم، وفق ذلك المنهج الإلهي القويم.

(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (1/ 74) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت