هذه هي قضية هذا الدين - اعتقادا لتقريره في الضمير، وحركة لتقريره في الحياة - ومن هنا كان التخلي عنها خيانة للّه والرسول يحذر اللّه منها العصبة المسلمة التي آمنت به وأعلنت هذا الإيمان فأصبح متعينا عليها أن تجاهد لتحقيق مدلوله الواقعي والنهوض بتكاليف هذا الجهاد في الأنفس والأموال والأولاد.
كذلك يحذرها خيانة الأمانة التي حملتها يوم بايعت رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام.
فالإسلام ليس كلمة تقال باللسان، وليس مجرد عبارات وأدعيات. إنما هو منهج حياة كاملة شاملة تعترضه العقبات والمشاق. إنه منهج لبناء واقع الحياة على قاعدة أن لا إله إلا اللّه وذلك برد الناس إلى العبودية لربهم الحق ورد المجتمع إلى حاكميته وشريعته، ورد الطغاة المعتدين على ألوهية اللّه وسلطانه من الطغيان والاعتداء وتأمين الحق والعدل للناس جميعا وإقامة القسط بينهم بالميزان الثابت وتعمير الأرض والنهوض بتكاليف الخلافة فيها عن اللّه بمنهج اللّه ..
وكلها أمانات من لم ينهض بها فقد خانها وخاس بعهده الذي عاهد اللّه عليه، ونقض بيعته التي بايع بها رسوله. [1]
وقد جاءت أحاديث كثيرة تحذر من الخيانة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ» . [2]
قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ:هِيَ مُخَالَفَةُ الْحَقِّ بِنَقْضِ الْعَهْدِ فِي السِّرِّ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ} [الأحزاب:72] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ} [الأنفال:27] شَامِلٌ لِجَمِيعِهَا (فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ) أَيِ: الْخَصْلَةُ الْبَاطِنَةُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: هِيَ ضِدُّ الظِّهَارَةِ وَأَصْلُهَا فِي الثَّوْبِ فَاسْتُعِيرَ لِمَا يَسْتَبْطِنُهُ الْإِنْسَانُ، وَقِيلَ: أَيْ بِئْسَ الشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَبْطِنُهُ مِنْ أَمْرِهِ وَيَجْعَلُهُ بِطَانَةَ حَالِهِ فِي الْمُغْرِبِ بِطَانَةً لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَهُمَا كَالْإِنْسَانِ يُلَابِسُهُ ضَجِيعُهُ وَبِطَانَتُهُ [3]
وعَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: الْمُؤْمِنُ يُطْوَى عَلَى الْخِلاَلِ كُلِّهَا غَيْرِ الْخِيَانَةِ وَالْكَذِبِ.
وعَنْ سَعْدٍ، قَالَ: الْمُؤْمِنُ يُطْبَعُ عَلَى الْخِلاَلِ كُلِّهَا غَيْرِ الْخِيَانَةِ وَالْكَذِبِ. [4]
وعن أَبِي أُمَامَةَ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:يُطْوى الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ شيءٍ إلاَّ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ. [5]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 2033)
(2) - صحيح ابن حبان - مخرجا (3/ 304) (1029) حسن
(3) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1711)
(4) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (13/ 151) (26116 - 26117) صحيح
(5) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (15/ 591) (30977) صحيح لغيره