وبعد هذا الاستدراك والتعقيب، يعود السياق إلى تعداد الأسباب التي استحقوا عليها ما استحقوا من تحريم بعض الطيبات عليهم في الدنيا، ومن إعداد النار وتهيئتها لهم، لتكون في انتظارهم في الآخرة! «وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا. وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ... »
ويكرر صفة الكفر كلما ذكر إحدى منكراتهم. فقد ذكرها عند قتلهم الأنبياء بغير حق - وما يقتل نبي بحق أبدا فهي حال لتقرير الواقع - وذكرها هنا بمناسبة قولهم على مريم بهتانا عظيما. وقد قالوا على مريم الطاهرة ذلك المنكر الذي لا يقوله إلا اليهود! فرموها بالزنا مع يوسف النجار - لعنة اللّه عليهم! ثم تبجحوا بأنهم قتلوا المسيح وصلبوه، وهم يتهكمون بدعواه الرسالة فيقولون: قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول اللّه! .. [1]
وقال تعالى: {فبِما نقْضِهِم مِّيثاقهُمْ لعنّاهُمْ وجعلْنا قُلُوبهُمْ قاسِيةً يُحرِّفُون الْكلِم عن مّواضِعِهِ ونسُواْ حظًّا مِّمّا ذُكِّرُواْ بِهِ ولا تزالُ تطّلِعُ على خآئِنةٍ مِّنْهُمْ إِلاّ قلِيلًا مِّنْهُمُ فاعْفُ عنْهُمْ واصْفحْ إِنّ اللّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِين} (13) سورة المائدة
فبِسبب نقْضِهِم المِيثاق الذِي أخذهُ اللهُ عليْهِمْ (ومِنْهُ الإِيمانُ بِكُلِّ نبِيٍّ يُرْسِلُهُ اللهُ، ونصْرُهُ وتبْجيلُهُ) اسْتحقُّوا مقْت اللهِ وغضبهُ، حتّى قتلُوا الأنْبِياء بِغيْرِ حقٍّ، وافْتروا على مرْيم، وأساؤُوا إلى عِيسى، الذِي جاء لإِصْلاحِ ما فسد مِنْ عقائِدِهِمِ وأخْلاقِهِمْ، وحاولُوا قتْلهُ، فبِسببِ جمِيعِ ما اقْترفُوهُ مِنْ عقائِدِهِمِ وأخْلاقِهِمْ، وحاولُوا قتْلهُ، فبِسببِ جمِيعِ ما اقْترفُوهُ مِنْ ذُنُوبٍ ومعاصٍ جعل اللهُ قُلُوبهُمْ قاسِيةً، فلا يتّعِظُون بِموْعِظةٍ لِغِلْظةِ قُلُوبِهِمْ وقسْوتِها، وجعل أفْهامهُمْ فاسِدةً فساءتْ تصرُّفاتُهُمْ فِي آياتِ اللهِ، فأخذُوا فِي تحْرِيفِها وتأوِيلِها على غيْرِ ما أنْزِلتْ لهُ، وحملُوها على غيْرِ المُرادِ مِنْها (يُحرِّفُون الكلِم عنْ مواضِعِهِ) وتركُوا العمل بِها رغْبةً عنْها (نسُوْا حظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ) ،ولا تزالُ تكْتشِفُ مِنْ أكْثرِهِمْ غدْرًا ومكْرًا بِك وبِأصْحابِك (تطّلِع على خائِنةٍ مِنْهُمْ) ،فاعْفُ عنْهُمْ واصْفحْ، وهذا هُو النّصْرُ والظّفرُ، وفِيهِ تألُّفٌ لِقُلُوبِهِمْ، لعلّ الله أنْ يهْدِيهُمْ إلى الحقِّ، إنّ الله يُحِبُّ المُحْسِنِين. (وقال ابْنُ عبّاسٍ إنّ معْنى قوْلِهِ تعالى - ونسُوا حظّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ - هُو أنّهُمْ نسُوا الكِتاب الذِي أُنْزِل إِليْهِمْ) . [2]
لقد نقض بنو إسرائيل الميثاق الذي أخذه الله عليهم، فكفروا بآيات الله، ومكروا بها وجحدووا نعمه وأفضاله، وكذبّوا رسله، وأخذوهم بالأذى الذي بلغ في كثير من الأحيان حدّ القتل.
فبسبب هذا لعنهم الله .. وكفى بهذا العقاب عقابا ونكالا .. إنه الهلاك الأبدى، والضياع لمعالم الإنسانية كلها، والخسران في الدنيا والآخرة ..
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 1170)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 683، بترقيم الشاملة آليا)