فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 849

وأولئك الذين يقتحمون العقبة - كما وصفها القرآن وحددها - «أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ» .. وهم أصحاب اليمين كما جاء في مواضع أخرى. أو أنهم أصحاب اليمين والحظ والسعادة .. وكلا المعنيين متصل في المفهوم الإيماني. [1]

هنالك ظاهرة تاريخية ينبغي أن يقف أمامها أصحاب الدعوة الإسلامية في كل أرض وفي كل زمان. وأن يقفوا أمامها طويلًا. ذلك أنها ذات أثر حاسم في منهج الدعوة واتجاهها

لقد خرَّجت هذه الدعوة جيلًا من الناس - جيل الصحابة رضوان الله عليهم - جيلًا مميزًا في تاريخ الإسلام كله وفى تاريخ البشرية جميعه. ثم لم تعد تخرج هذا الطراز مرة أخرى .. نعم وُجد أفراد من ذلك الطراز على مدار التاريخ. ولكن لم يحدث قط أن تجمَّع مثل ذلك العدد الضخم، في مكان واحد، كما وقع في الفترة الأولى من حياة هذه الدعوة. هذه ظاهرة واضحة واقعة، ذات مدلول ينبغي الوقوف أمامه طويلًا، لعلنا نهتدي إلى سرِّه.

إن قرآن هذه الدعوة بين أيدينا، وحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه العملي، وسيرته الكريمة، كلها بين أيدينا كذلك، كما كانت بين أيدي ذلك الجيل الأول، الذي لم يتكرر في التاريخ .. ولم يغب إلا شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهل هذا هو السر؟

لو كان وجود شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتميًّا لقيام هذه الدعوة، وإيتائها ثمراتها، ما جعلها الله دعوة للناس كافة، وما جعلها آخر رسالة، وما وكَّل إليها أمر الناس في هذه الأرض، إلى آخر الزمان ..

ولكن الله - سبحانه - تكفل بحفظ الذِّكْر، وعلم أن هذه الدعوة يمكن أن تقوم بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبمكن أن تؤتي ثمارها. فاختاره إلى جواره بعد ثلاثة وعشرين عامًا من الرسالة، وأبقى هذا الدِّين من بعده إلى آخر الزمان .. وإذن فإن غيبة شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تفسر تلك الظاهرة ولا تعللها.

فلنبحث إذن وراء سبب آخر. لننظر في النبع الذي كان يستقي منه هذا الجيل الأول، فلعل شيئًا قد تغير فيه. ولننظر في المنهج الذي تخرجوا عليه، فلعل شيئًا قد تغير فيه كذلك.

كان النبع الأول الذي استقى منه ذلك الجيل هو نبع القرآن. القرآن وحده. فما كان حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهديه إلا أثرًا من آثار ذلك النبع. فعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَقَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ." [2] "

كان القرآن وحده إذن هو النبع الذي يستقون منه، ويتكيفون به، ويتخرجون عليه، ولم يكن ذلك كذلك لأنه لم يكن للبشرية يومها حضارة، ولا ثقافة، ولا علم، ولا مؤلفات، ولا دراسات .. كلا!

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4863)

(2) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (8/ 305) (25302) 25816 - صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت