فهرس الكتاب

الصفحة 747 من 849

أهْواءهُمْ واحْذرْهُمْ أن يفْتِنُوك عن بعْضِ ما أنزل اللّهُ إِليْك فإِن تولّوْاْ فاعْلمْ أنّما يُرِيدُ اللّهُ أن يُصِيبهُم بِبعْضِ ذُنُوبِهِمْ وإِنّ كثِيرًا مِّن النّاسِ لفاسِقُون (49) أفحُكْم الْجاهِلِيّةِ يبْغُون ومنْ أحْسنُ مِن اللّهِ حُكْمًا لِّقوْمٍ يُوقِنُون (50) سورة المائدة

نزلتْ هذِهِ الآيةُ والتِي بعْدها فِي المُنافِقِين، الذِين يقُولُون آمنّا بِأفْواهِهِمْ، ولمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ، وفِي أعْداءِ الإِسْلامِ مِن اليهُودِ، الذِين كانُوا كثِيرِي الاسْتِماعِ إلى كلامِ الرّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -،والإِخْبارِ عنْهُ، لأجْلِ الكذِبِ عليهِ بِالتّحْرِيفِ واسْتِنْباطِ الشُّبُهاتِ، فهُمْ جواسِيسُ بيْن المُسْلِمِين لأعْدائِهِمْ، مهمّتُهُمْ إبْلاغُ رُؤُوسِ الكُفْرِ أعْداءِ الإِسْلامِ، كُلّ ما يقِفُون عليهِ لِيكُون ما يفْترُونهُ على النّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - والمُسْلِمِين مِنْ كذِبٍ مقْبُولًا، لأنّهُمْ يرْوُون ما يُقالُ، ويُحرِّفُون فِيهِ، وكان هؤُلاءِ يأتُون إلى الرّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - لِيسْتمِعُوا مِنْهُ، ثُمّ ينْقُلُون ما يسْمعُونهُ مِنْهُ إلى الرُّؤساءِ ذوِي الكّيْدِ، الذِين لمْ يأْتُوا إلى النّبِيِّ لِيسْتمِعُوا مِنْهُ بِآذانِهِمْ، إمّا كِبْرًا وإِمّا تمرُّدًا.

ويقُومُ الرُّؤساءُ الرُّوحِيُّون مِن اليهُودِ بِتحْرِيفِ كلامِ التّوراةِ مِنْ بعْدِ أنْ وضعهُ اللهُ فِي مواضِعِهِ، وأحْكمهُ، إمّا تحْريفًا لفْظِيًا، بِإِبْدالِ كلِمةٍ بِكلِمةٍ، وإِمّا بِإخْفائِهِ وكِتْمانِهِ، وإِما بِالزِّيادةِ فِيهِ، أوْ بِالنّقْصِ مِنْهُ، وإمّا تحْرِيفًا معْنوسًّا، بِحمْلِ اللّفْظِ على معْنى يخْتلِفُ عنِ المعْنى الذِي قصدهُ الشّارِعُ، ويقُولُ بعْضُهُمْ لِبعْضٍ: إنْ حكم لكُمْ مُحمّدٌ الحُكْم الذِي تُرِيدُون فاقْبلُوهُ، وإنْ قضى بِغيْرِهِ فلا تسْتمِعُوا إليهِ.

(وهذِهِ الآيةُ نزلتْ فِي يهُوديّين زنيا بعْد هِجْرةِ الرّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - إلى المدِينةِ بِقلِيلٍ، وكان اليهُودُ قدْ تخلّوْا عنْ تنْفِيذِ ما شرّعهُ اللهُ لهُمْ فِي التّوراةِ مِنْ رجْمِ الزُّناةِ المُحْصِنِين، فحرّفُوا حُكْم اللهِ، واصْطلحُوا فِيما بيْنهُمْ على جلْدِ الزّانِي مِئة جلْدةٍ مع صبْغِ الوجْهِ بِالسّوادِ(ويُسمُّونهُ التّحْمِيم) .فلمّا وقعتْ حادِثةُ الزِّنى، قال بعْضُ اليهُودِ لِبعْضٍ تعالُوا نتحاكمُ إلى مُحمّدٍ فإنْ حكم بِالجلْدِ، وصبْغِ الوجْهُ بِالسّوادِ، فخُذُوا ذلِك عنْهُ، واجْعلُوهُ حُجّةً بيْنكُمْ وبيْن اللهِ، ويكُونُ نبِيٌّ مِنْ أنْبِياءِ اللهِ قدْ حكم بيْنكُمْ بِذلِك، وإنْ حكم بِالرّجْمِ فلا تتّبِعُوهُ. فلمّا جاؤُوا إلى الرّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - سألهُمْ عمّا فِي كِتابِهِمْ فِي حُكْمِ الزُّناةِ، فقالُوا نفْضحُهُمْ ويُجْلدُون. فقال لهُمْ عبْدُ اللهِ بْنُ سلاّمٍ - وكان حبْرًا مِنْ أحْبارِهِمْ ثُمّ أسْلم - كذيْتُمْ إنّ فِيهِ الرّجْم).ومنْ أراد اللهُ أنْ يخْتبِرهُ فِي دِينِهِ فيُظْهِر الاخْتِبارُ كُفْرهُ وضلالهُ، فلنْ تمْلِك لهُ يِا مُحمّدُ مِن اللهِ شيْئًا، لأنّ الله لمْ يُرِدْ أنْ يُطهْر قلْبهُ، ولا أنْ يهْدِيهُ؛ ولِهذا الضّالِّ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا، ولهُ فِي الآخِرةِ عذابٌ عظِيمٌ. فلا تحْزنْ يِا مُحمّدُ بعْد هذا على مُسارعتِهِمْ فِي الكُفْرِ، ولا تطْمعُ فِي هِدايتِهِمْ إلى الإِيمانِ، فإِنّك لا تمْلِكُ لأحدٍ نفْعًا، وإِنّما عليك البلاغُ.

وأعاد اللهُ تعالى وصْفهُمْ بِكثْرةِ السّماعِ لِلْكذِبِ، فقال: وهُمْ سمّاعُون لِلْباكِلِ، آكّالُون لِلْمالِ الحرامِ كالرِّبا والرّشْوةِ (السُّحْتِ) ،فإِذا جاؤُوك يتحاكمُون إليْك فاحْكُمْ بيْنهُمْ أوْ أعْرِضْ عنْهُمْ، فلا عليك أنْ لا تحْكُم بيْنهُم لأنّهُمْ لا يقْصِدُون، بِمجِيئِهِمْ إليك لِلتّحاكُمِ، اتِّباع الحقِّ، بلْ يُرِيدُون أنْ تحْكُم لهُمْ بِما يُوافِقُ أهْواءهُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت