فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 849

قال تعالى: {والّذِين تبوّءُوا الدّار والْإِيمان مِنْ قبْلِهِمْ يُحِبُّون منْ هاجر إِليْهِمْ ولا يجِدُون فِي صُدُورِهِمْ حاجةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُون على أنْفُسِهِمْ ولوْ كان بِهِمْ خصاصةٌ ومنْ يُوق شُحّ نفْسِهِ فأُولئِك هُمُ الْمُفْلِحُون} [الحشر:9]

أثْنى اللهُ تعالى على الأنْصارِ مُبِيِّنًا فضْلهُمْ وشرفهُمْ وكرمهُمْ، حِين جعل اللهُ الفيء لإِخْوانِهِم المُهاجِرِين دُونهُمْ، فقال تعالى: والذِين سكنُوا دار الهِجْرةِ قبْل المُهاجِرِين، وآمنُوا قبْل كثِيرٍ مِن المُهاجِرِين، يُحِبُّون المُهاجِرِين، ويتمنّوْن لهُمْ الخيْر، كما يتمنّوْنهُ لأنْفُسِهِمْ، وقدْ أسْكنُوا المُهاجِرِين فِي دُورِهِمْ، وأشْركُوهُمْ فِي أمْوالِهِمْ حتّى نزل بعْضُهُمْ عنْ بعْضِ نِسائِهِ لِلْمُهاجِرِين. وقدْ فعلُوا ذلِك ونُفُوسُهُمْ طيِّيةٌ، وأعْيُنُهُمْ قرِيرةٌ بِما يفْعلُون، لا يجِدُون فِي أنْفُسِهِمْ حسدًا لِلْمُهاجِرِين. ولا ضِيقًا بِهِمْ لِما فضّلهُمُ اللهُ بِهِ مِن المنْزِلةِ والشّرفِ والتّقْدِيمِ فِي الذِّكْرِ والرُّتْبةِ، ولِما خصّهُمْ بِهِ مِنْ مغْنمِ بنِي النّضِيرِ دُونهُمْ.

وهُمْ يُقدِّمُون أهْل الحاجةِ مِن المُهاجِرِين على أنْفُسِهِمْ، ويبْدؤُون بِالنّاسِ قبْل أنْفُسِهِمْ فِي حالِ احْتِياجِهِمْ إِلى ذلِك. [1]

لم يعرف تاريخ البشرية كله حادثا جماعيا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين. بهذا الحب الكريم. وبهذا البذل السخي. وبهذه المشاركة الرضية. وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء. حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة. لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين! «ولا يجِدُون فِي صُدُورِهِمْ حاجةً مِمّا أُوتُوا» .. مما يناله المهاجرون من مقام مفضل في بعض المواضع، ومن مال يختصون به كهذا الفيء، فلا يجدون في أنفسهم شيئا من هذا. ولا يقول: حسدا ولا ضيقا. إنما يقول: «شيئا» .مما يلقي ظلال النظافة الكاملة لصدورهم والبراءة المطلقة لقلوبهم، فلا تجد شيئا أصلا.

«ويُؤْثِرُون على أنْفُسِهِمْ ولوْ كان بِهِمْ خصاصةٌ» .. والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا. وقد بلغ إليها الأنصار بما لم تشهد البشرية له نظيرا. وكانوا كذلك في كل مرة وفي كل حالة بصورة خارقة لمألوف البشر قديما وحديثا.

«ومنْ يُوق شُحّ نفْسِهِ فأُولئِك هُمُ الْمُفْلِحُون» .. فهذا الشح. شح النفس. هو المعوق عن كل خير. لأن الخير بذل في صورة من الصور. بذل في المال. وبذل في العاطفة. وبذل في الجهد. وبذل في الحياة عند الاقتضاء. وما يمكن أن يصنع الخير شحيح يهم دائما أن يأخذ ولا يهم مرة أن يعطي. ومن يوق شح نفسه، فقد وقي هذا المعوّق عن الخير، فانطلق إليه معطيا باذلا كريما. وهذا هو الفلاح في حقيقة معناه.

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 5013، بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت