قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) [النساء:60 - 63]
يُنْكِرُ اللهُ تعالى على منْ يدِّعِي الإِيمان بِاللهِ، وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، وهُو معْ ذلِك يُرِيدُ أنْ يتحاكم فِي فصْل ِالخُصُوماتِ إلى غيْرِ كِتابِ اللهِ، وسُنّةِ نبِيِّهِ.
ويذُمُّ اللهُ تعالى الذِين يعْدِلُون عنْ شرْعِ اللهِ وسُنّة نبِيِّهِ، إلى ما سِواهُما مِن البِاطِلِ (وهُو المُرادٌ هُنا بِالطّاغُوتِ) ،وقدْ أُمِرُوا بِأنْ يكْفُرُوا بِهِ، وبِحُكْمِ الجاهِلِيّةِ، ولكِنّ الشّيْطان يدْعُوهُمْ الى اتِّباعِهِ لِيُضِلّهُمْ عنْ دِينِهِمْ وشرْعِهِمْ وهُدى ربِّهِمْ، ويُبْعِدهُمْ عنْها
وإِذا دُعِي هؤُلاءِ - الذِين يدّعُون الإِيمان، ثُمّ يُرِيدُون التّحاكُم إلى الطّاغُوتِ - إلى رسُولِ اللهِ لِلتّحاكُمِ لديْهِ، وِفْقًا لِما شرع اللهُ، اسْتكْبرُوا وأعْرضُوا ورغِبُوا عنْ حُكْمِ رسُولِ اللهِ إعْراضًا مُتعمّدًا مِنْهُمْ.
فكيْف يكُونُ حالُهُمْ إذا ساقتْهُمُ المقادِيرُ إليك فِي مصائِب تحِلُّ بِهِمْ بِسببِ ذُنُوبِهِمْ، واحْتاجُوا إِليْك فِي ذلِك، ثُمّ جاؤُوك يعْتذِرُون إِليْك، ويحْلِفُون بِاللهِ أنّهُمْ ما أرادُوا بِذهابِهِمْ إلى غيْرِك، وبِتحاكُمِهِمْ إلى أعْدائِك، إلا المُداراة والمُصانعة (إحْسانًا وتوْفِيقًا) ،لا اعْتِقادًا مِنْهُمْ بِصِحّةِ تِلْك الحُكُومةِ.
وهذا الضّرْبُ مِن النّاسِ هُمُ المُنافِقٌُون، واللهُ وحْدهُ يعْلمُ مبْلغ ما فِي قُلُوبِهِمْ مِن الكُفْرِ والحِقْدِ والكيْدِ، وسيجْزِيهِمْ على ذلِك، فإنّهُ لا تخْفى عليهِ مِنْهُمْ خافِيةٌ. ثُمّ يدْعُو اللهُ نبِيّهُ - صلى الله عليه وسلم - إلى مُعاملتِهِمْ:
-أوْلًا: بِالإِعْراضِ عنْهُمْ وعدمِ الإِقْبالِ عليْهِمْ بِالبشاشةِ والتّكْرِيمِ، وهذا النّوعُ مِن المُعامُلةِ يُثِيرُ فِي نُفُوسِهِمُ الهواجِس والشُّكُوك والظُّنُون.- ثُمّ بِالنُّصْحِ والتّذْكِيرِ بِالخيْرِ، على وجْهٍ ترِقُّ لهُ قُلُوبُهُمْ، ويبْعثُهُمْ على التّأمُّلِ فِيما يُلْقى إِليْهِمْ مِن العِظاتِ.- ثُمّ بِالقوْلِ البلِيغِ، الذِي يُؤثِّرُ فِي نُفُوسِهِمْ، كالتّوعُّدِ بِالقّتْلِ، والاسْتِئْصالِ إنْ ظهر مِنْهُمْ نِفاقٌ، وأنْ يُخْبِرهُمْ أنّ الله عالِمٌ بِما فِي نُفُوسِهِمْ .. [1]
ما تكاد الآيات القرآنية الكريمة ترفع يدها الآخذة بمخانق اليهود، وما يكاد اليهود يلتقطون أنفاسهم اللاهثة من تلك المطاردة العنيفة التي تلهب فيها آيات الكتاب الكريم ظهورهم بسياط ملتهبة من الفضيحة والخزي- ما كان ذلك يحدث حتى تعود إليهم الآيات الكريمة مرة أخرى، فتعيد معهم سيرتها الأولى، حتى تتقطع أنفاسهم .. إنها تلقاهم بعذاب أشبه بعذاب الآخرة، الذي يتبدل فيه المعذّبون
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 553، بترقيم الشاملة آليا)