فهرس الكتاب

الصفحة 703 من 849

الحقيقة في ميزان اللّه، وبعد استجاشة شعور الأخوة، بل شعور الاندماج في نفس واحدة، تستثير معنى الإيمان، وتحذر المؤمنين من فقدان هذا الوصف الكريم، والفسوق عنه والانحراف بالسخرية واللمز والتنابز: «بِئْسَ الِاسْمُ: الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ» .فهو شيء يشبه الارتداد عن الإيمان!

وتهدد باعتبار هذا ظلما، والظلم أحد التعبيرات عن الشرك: «وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» .. وبذلك تضع قواعد الأدب النفسي لذلك المجتمع الفاضل الكريم. [1] .

إن من أفتك الآفات التي تغتال مشاعر الإخاء والمودة بين المجتمعات، استخفاف جماعة بجماعة، والنظر إليها نظرا ساخرا، فإن ذلك من شأنه أن يغرى هؤلاء المستخفّين المستهزئين بمن استخفوا بهم، ونظروا إليهم باستصغار واستهزاء، ثم هو من جهة أخرى يحمل الجماعة المستخفّ بها، المستصغر لشأنها- على أن تدافع عن نفسها، وأن تردّ هذه السخرية، وهذا الاستهزاء بالسخرية والاستهزاء، ممن سخروا منهم، وهزءوا بهم .. وهذا أول قدح لشرارة الحرب .. فإن الحرب أولها الكلام، كما يقولون ..

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هؤلاء المستهزئين الساخرين قد يكونون أقل عند الله شأنا، من هؤلاء الذين اتخذوهم غرضا للهزء والسخرية ..

فلا ينبغى الانخداع بالظاهر، ووزن الأمور عليها .. فكيف يكون الحال لو أن هؤلاء المستهزأ بهم كانوا عند الله أفضل وأكرم من هؤلاء المستهزئين؟

ألا يخافون أن ينتقم منهم الله لأوليائه؟ ألا يستحون أن يستخفّوا بمن هم أثقل منهم ميزانا، وأكرم منهم معدنا؟ إن هذا أمر لو لم يؤثمه الدين، لأنكره العقل، ورفضته المروءة، وجفاه المنطق، ولفظه العدل والإنصاف.

وفى جمع الرجال والنساء، إشارة إلى أن هذه السخرية إنما تكون على غايتها من الشناعة والسوء، حين تكون في صورة جماعية، إذ أنها تشد أعدادا كثيرة من الناس إلى هذا الشر، وتوقعهم في هذا البلاء.

وقوله تعالى: «وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» ..

اللّمز هو الغمز بالمعايب، والتلويح بها .. والتنابز بالألقاب: الترامي بها ..

ومن الآفات التي تهدد كيان المجتمع، وتقوض بنيانه، شيوع الاستخفاف بأنفسهم، وعدم التحرج من ذكر بعضهم بعضا بالمقابح والمساويء، فهذا إنما يكون من إفرازات الجماعات المتحلّلة من القيم الخلقية، التي تتبادل المنكرات كما تتبادل السلع الرخيصة في البيع والشراء ..

ذلك أن الذي يعيب الناس، ويرميهم بما يسوء من الألقاب، لا يسوؤه كثيرا أن يعيبه الناس، وأن يرجموه بكل سوء .. وهذا- والله أعلم- هو ما قصد إليه قوله تعالى: «وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ»

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4186)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت