عَلَى سُوءِ أَفْعَالِهِمْ. وَهُوَ الْمُرَادُ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ لِأَنَّ إِسْنَادَ الْكَسْبِ إِلَى الْأَيْدِي جَرَى مَجْرَى الْمَثَلِ فِي فِعْلِ الشَّرِّ وَالسُّوءِ مِنَ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا، دُونَ خُصُوصِ مَا يَعْمَلُ مِنْهَا بِالْأَيْدِي لِأَنَّ مَا يَكْسِبُهُ النَّاسُ يَكُونُ بِالْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ كُلِّهَا، وَبِالْحَوَاسِّ الْبَاطِنَةِ مِنَ الْعَقَائِدِ الضَّالَّةِ وَالْأَدْوَاءِ النفسية.
وبِما مَوْصُولَةٌ، وَحُذِفَ الْعَائِدُ مِنَ الصِّلَةِ، وَتَقْدِيرُهُ: بِمَا كَسَبَتْهُ أَيْدِي النَّاسِ، أَيْ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ. وَأَعَظْمُ مَا كَسَبَتْهُ أَيْدِي النَّاسِ مِنَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ الْإِشْرَاكُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عَامًا. وَيَعْلَمُ أَنَّ مَرَاتِبَ ظُهُورِ الْفَسَادِ حَاصِلَةٌ عَلَى مَقَادِيرَ مَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَسُئِلَ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» ،وَقَالَ تَعَالَى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30] وَقَالَ: وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ مَاء غَدَقًا [الْجِنّ:16] .
وَيَجْرِي حُكْمُ تَعْرِيفِ النَّاسِ عَلَى نَحْوِ مَا يَجْرِي فِي تَعْرِيفِ الْفَسادُ مِنْ عَهْدٍ أَوْ عُمُومٍ، فَالْمَعْهُودُ هُمُ الْمُشْرِكُونَ وَقَدْ شَاعَ فِي الْقُرْآنِ تَغْلِيبُ اسْمِ النَّاسِ عَلَيْهِمْ.
وَالْإِذَاقَةُ: اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ شَبَّهَ مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ الْآلَامِ فَيُحِسُّونَ بِهَا بِإِصَابَةِ الطَّعَامِ حَاسَّةَ الْمَطْعَمِ. وَلَمَّا كَانَ مَا عَمِلُوهُ لَا يُصِيبُهُمْ بِعَيْنِهِ تَعَيَّنَ أَنَّ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا أُطْلِقَ عَلَى جَزَاءِ الْعَمَلِ وَلِذَلِكَ فَالْبَعْضِيَّةُ تَبْعِيضٌ لِلْجَزَاءِ، فَالْمُرَادُ بَعْضُ الْجَزَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْعَمَلِ لَا الْجَزَاءُ عَلَى بَعْضِ الْعَمَلِ، أَيْ أَنَّ مَا يُذِيقُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ هُوَ بَعْضُ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ. وَفِي هَذَا تَهْدِيدٌ إِنْ لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ مَسَاوِئِ أَعْمَالِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45] ،ثُمَّ وَرَاءَ ذَلِكَ عَذَابُ الْآخِرَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى:
وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى [طه:127] .
وَالْعُدُولُ عَنْ أَنْ يُقَالَ: بَعْضُ أَعْمَالِهِمْ إِلَى بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لِلْإِيمَاءِ إِلَى مَا فِي الْمَوْصُولِ مِنْ قُوَّةِ التَّعْرِيفِ، أَيْ أَعْمَالُهُمُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَهُمُ الْمُتَقَرَّرُ صُدُورُهَا مِنْهُمْ.
وَالرَّجَاءُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ (لَعَلَّ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَا ظَهَرَ مِنْ فَسَادٍ كَافٍ لِإِقْلَاعِهِمْ عَمَّا هُمُ اكْتَسَبُوهُ، وَأَنَّ حَالَهُمْ حَالُ مَنْ يُرْجَى رُجُوعُهُ فَإِنْ هُمْ لَمْ يَرْجِعُوا فَقَدْ تَبَيَّنَ تَمَرُّدُهُمْ وَعَدَمُ إِجْدَاءِ الْمَوْعِظَةِ فِيهِمْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التَّوْبَة:126] .
وَالرُّجُوعُ مُسْتَعَارٌ لِلْإِقْلَاعِ عَنِ الْمَعَاصِي كَأَنَّ الَّذِي عَصَى رَبَّهُ عَبْدٌ أَبَقَ عَنْ سَيِّدِهِ، أَوْ دَابَّةٌ قَدْ أَبَدَتْ، ثُمَّ رَجَعَ. وَفِي الحَدِيث «الله أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلِ نَزَلَ مَنْزِلًا وَبِهِ مَهْلَكَةٌ، وَمَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي، فَرَجَعَ فَنَامَ نَوْمَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا دَابَّتُهُ عِنْدَهُ» .