الفساد. ومن وراء المصارع كلها تفيض الطمأنينة على القلب المؤمن وهو يواجه الطغيان في أي زمان وأي مكان.
ومن قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» تفيض طمأنينة خاصة. فربك هناك. راصد لا يفوته شيء. مراقب لا يند عنه شيء. فليطمئن بال المؤمن، ولينم ملء جفونه. فإن ربه هناك! .. بالمرصاد .. للطغيان والشر والفساد! وهكذا نرى هنا نماذج من قدر اللّه في أمر الدعوة، غير النموذج الذي تعرضه سورة البروج لأصحاب الأخدود. وقد كان القرآن - ولا يزال - يربي المؤمنين بهذا النموذج وذاك. وفق الحالات والملابسات. ويعد نفوس المؤمنين لهذا وذاك على السواء. لتطمئن على الحالين. وتتوقع الأمرين، وتكل كل شيء لقدر اللّه يجريه كما يشاء. «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ» .. يرى ويحسب ويحاسب ويجازي، وفق ميزان دقيق لا يخطئ ولا يظلم ولا يأخذ بظواهر الأمور لكن بحقائق الأشياء .. [1]
وقال تعالى: {ظهر الْفسادُ فِي الْبرِّ والْبحْرِ بِما كسبتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقهُم بعْض الّذِي عمِلُوا لعلّهُمْ يرْجِعُون} (41) سورة الروم
ظهر الفسادُ فِي العالمِ بالفِتنِ والحُروبِ والاضْطِرابات .. وذلك بِسببِ ما اقترفه النّاسُ من الظُّلمِ، وانتِهاكِ الحُرُماتِ، والتّنكُّرِ لِلدِّينِ، ونِسيانِ يومِ الحِسابِ فانْطلقت النُّفُوسُ مِنْ عِقالِها، وعاثتْ فِي الأرضِ فسادًا بِلا وازعٍ ولا رقيبٍ منْ ضميرٍ أوْ وُجدانٍ أو حياءٍ أو حِسابٍ لدِينٍ، فأذاقهُم اللهُ جزاء بعضِ ما عمِلُوا مِن المعاصِي والآثامِ، لعلّهُمْ يرْجِعُون إلى الحقِّ، ويكُفُّون عنِ الضّلالِ والغِوايةِ، ويتذكّرُون يوم الحِسابِ .. [2]
مَوْقِعُ هَذِهِ الْآيَةِ وَمَعْنَاهَا صَالِحٌ لِعِدَّةِ وُجُوهٍ مِنَ الْمَوْعِظَةِ، وَهِيَ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِ الْقُرْآنِ. وَالْمَقْصِدُ مِنْهَا هُوَ الْمَوْعِظَةُ بِالْحَوَادِثِ مَاضِيهَا وَحَاضِرِهَا لِلْإِقْلَاعِ عَنِ الْإِشْرَاكِ وَعَنْ تَكْذِيبِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم -،فَأَمَّا مَوْقِعُهَا فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ قَبْلَهَا أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الْآيَات [الرّوم:9] ،فَلَمَّا طُولِبُوا بِالْإِقْرَارِ عَلَى مَا رَأَوْهُ مِنْ آثَارِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، أَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْآثَارِ، أُتْبِعَ ذَلِكَ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ طَرِيقُ الْمَوْعِظَةِ من قَوْله هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ [الرّوم:27] ،وَمِنْ ذِكْرِ الْإِنْذَارِ بِعَذَابِ الْآخِرَةِ، وَالتَّذْكِيرِ بِدَلَائِلِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَنِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَفْرِيعِ اسْتِحْقَاقِهِ تَعَالَى الشُّكْرَ لِذَاتِهِ وَلِأَجْلِ إِنْعَامِهِ اسْتِحْقَاقًا مُسْتَقِرًّا إِدْرَاكُهُ فِي الْفِطْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ، وَمَا تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ الْإِرْشَادِ وَالْمَوْعِظَةِ، عَادَ الْكَلَامُ إِلَى التَّذْكِيرِ بِأَنَّ مَا حَلَّ بِالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ مِنَ الْمَصَائِبِ مَا كَانَ إِلَّا بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ، أَيْ بِأَعْمَالِهِمْ، فَيُوشِكُ أَنْ يَحِلَّ مِثْلُ مَا حَلَّ بِهِمْ بِالْمُخَاطَبِينَ الَّذِينَ كَسَبَتْ أَيْدِيهُمْ مِثْلَ مَا كَسَبَتْ أَيْدِي أُولَئِكَ.
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص: 4852)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 3331، بترقيم الشاملة آليا)