كذلك الإحسان، هو إحسان مطلق، يتناول كل قول يقوله الإنسان، وكل عمل يعمله .. وإحسان القول أن يقوم على سنن العدل، والحق والخير ..
وإحسان العمل ينضبط على موازين الكمال والإتقان .. كما بقول سبحانه:
«وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» (195:البقرة) .
بل إن الإحسان، هو الإيمان بالله على أتم صورة وأكملها، بحيث لا يبلغ درجة الإحسان، إلا من عبد الله على هذا الوجه الذي بينه الرسول الكريم، في قوله حين سأله جبريل، وقد جاء على صورة أعرابى، فقال: «ما الإحسان؟ فقال صلوات الله وسلامه عليه: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .. »
-وقوله تعالى: «وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى» هو عدل وإحسان معا .. والإيتاء هو الإعطاء، وفعله آتى، بمعنى أعطى .. ولا يستعمل الإيتاء إلا في مقام البرّ والإحسان .. والبر بذي القربى هو عدل، لأنه وفاء لحق القرابة، وهو إحسان إذا قدمته النفس في سماحة ورضى.
-وقوله تعالى: «وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ» هو نهى عن محظورات، في مقابل ما أمر الله به من عدل وإحسان، وبرّ بالأقارب .. وفى توارد الأمر والنهى على أمر من الأمور، توكيد للإتيان بالمأمور به .. فالفحشاء، ما قبح من الأمور، وعلى رأسها «الزنا» .. وإتيان الفاحشة ظلم للنفس، وعدوان على حرمات الناس .. وفى هذا مجافاة للعدل ..
والمنكر، كل ما تنكره العقول السليمة على من يفعله .. سواء أكان قولا أو فعلا .. ولا يكون هذا إلا بالتخلي عن الإحسان في القول أو العمل ..
والبغي: الجور، والظلم، وهضم الحقوق. وهو مجف للعدل والإحسان معا ..
-وقوله تعالى: «يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» هو تنبيه لما تحمل آيات الله للناس من آداب. وأحكام، تدعو إلى الحق، والخير، وتذكّر بهما، وتفتح للعقول الراشدة والقلوب السليمة طريقا إليهما ..
وهذه الآية الكريمة، تجمع أصول الشريعة الإسلامية كلها .. فهى أقرب شىء إلى أن تكون عنوانا للرسالة لإسلامية، ولكتابها الكريم، إذ لا تخرج أحكام الشريعة وآدابها عن هذا المحتوى الذي ضمت عليه تلك الآية: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ» .وما في كتاب لله كله هو شرح لما أمر الله سبحانه به من العدل والإحسان، وإيتاء ذى القربى، وما نهى عنه من الفحشاء والمنكر والبغي. [1]
فالعدل الذي أمر الله به يشمل العدل في حقه وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفرة بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية والمركبة منهما في حقه وحق
(1) - التفسير القرآني للقرآن (7/ 349)