قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا هَلَكَ قَوْمٌ حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ» .حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ الزَّرَّادِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَا هَلَكَ قَوْمٌ حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ» قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ [7\ 5] .
قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ. لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا الشَّيْءَ الْمَسْئُولَ عَنْهُ الْمُرْسَلُونَ، وَلَا الشَّيْءَ الْمَسْئُولَ عَنْهُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ.
وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُ يَسْأَلُ الْمُرْسَلِينَ عَمَّا أَجَابَتْهُمْ بِهِ أُمَمُهُمْ، وَيَسْأَلُ الْأُمَمَ عَمَّا أَجَابُوا بِهِ رُسُلَهُمْ. قَالَ فِي الْأَوَّلِ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ [5\ 109] .
وَقَالَ فِي الثَّانِي: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [28\ 65] .
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ يَسْأَلُ جَمِيعَ الْخَلْقِ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [15\ 92،93] .
وَهُنَا إِشْكَالٌ مَعْرُوفٌ: وَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ هُنَا: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [7\ 6] ،وَقَالَ أَيْضًا: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَقَالَ: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [37\ 24] ،وَهَذَا صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ سُؤَالِ الْجَمِيعِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَعَ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [28\ 78] ،وَقَالَ: فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ [55\ 39] .
وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي كِتَابِنَا (دَفْعِ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ) وَسَنَزِيدُهُ إِيضَاحًا هُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
اعْلَمْ أَوَّلًا: أَنَّ السُّؤَالَ الْمَنْفِيَّ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، أَخَصُّ مِنَ السُّؤَالِ الْمُثْبَتِ فِيهَا ; لِأَنَّ السُّؤَالَ الْمَنْفِيَّ فِيهَا مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ سُؤَالًا عَنْ ذُنُوبٍ خَاصَّةٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [28\ 78] فَخَصَّهُ بِكَوْنِهِ عَنِ الذُّنُوبِ، وَقَالَ: فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ فَخَصَّهُ بِذَلِكَ أَيْضًا، فَيَتَّضِحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ سُؤَالَ الرُّسُلِ وَالْمَوْءُودَةِ مَثَلًا لَيْسَ عَنْ ذَنْبٍ فَعَلُوهُ فَلَا مَانِعَ مِنْ وُقُوعِهِ ; لِأَنَّ الْمَنْفِيَّ خُصُوصُ السُّؤَالِ عَنْ ذَنْبٍ، وَيَزِيدُ ذَلِكَ إِيضَاحًا قَوْلُهُ تَعَالَى: لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ الْآيَةَ [5\ 119] ،وَقَوْلُهُ بَعْدَ سُؤَالِهِ لِعِيسَى الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ الْآيَةَ [33\ 8] ،قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ الْآيَةَ [33\ 8] ،وَالسُّؤَالُ عَنِ الذُّنُوبِ الْمَنْفِيُّ فِي الْآيَاتِ: الْمُرَادُ بِهِ سُؤَالُ الِاسْتِخْبَارِ وَالِاسْتِعْلَامِ ; لِأَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَلَا يُنَافِي نَفْيُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ السُّؤَالِ ثُبُوتَ نَوْعٍ آخَرَ مِنْهُ هُوَ سُؤَالُ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ ; لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا أَنَّ سُؤَالَ اللَّهِ لِلْكُفَّارِ فِي الْقُرْآنِ كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وَتَقْرِيعٌ كَقَوْلِهِ: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ.