فهرس الكتاب

الصفحة 644 من 849

وقال تعالى: قُلْ هُو الْقادِرُ على أنْ يبْعث عليْكُمْ عذابًا مِنْ فوْقِكُمْ أوْ مِنْ تحْتِ أرْجُلِكُمْ أوْ يلْبِسكُمْ شِيعًا ويُذِيق بعْضكُمْ بأْس بعْضٍ انْظُرْ كيْف نُصرِّفُ الْآياتِ لعلّهُمْ يفْقهُون (65) [الأنعام/65] }

قُلْ يا مُحمّدُ لِقوْمِك، الذِين يُشْرِكُون مع اللهِ سِواهُ، ولا يشْكُرُونهُ على النِّعمِ الوفِيرةِ التِي أسْداها إِليْهِمْ: إنّ الله هُو القِادِرُ على أنْ يصُبّ عليْكُمُ العذاب مِنْ فوْقِكُمْ مِن السّماءِ، أوْ أنْ يبْعث عليْكُمُ العذاب مِنْ تحْتِ أرْجُلِكُمْ، فيخْسِف بِكُمُ الأرْض، أوْ يُزلْزِلها تحْت أقْدامِكُمْ، أوْ يخْلِط الأمْر عليْكُمْ مِن الالْتِباسِ، ويجْعلكُمْ مُلْتبِسِين شِيعًا وفِرقًا، مُتخالِفِين فِي الأهْواءِ والمشارِبِ، ويُسلِّط بعْضُكُمْ على بعْضٍ بِالعذابِ والقتْلِ. انْظُرْ يا مُحمّدُ كيْف نُبيِّنُ الآياتِ ونُوضِّحُها لعلّ هؤُلاءِ يفْهمُونها ويتدبّرُونها [1] .

فالله الرحمن الرحيم، هو منتقم شديد العقاب .. قادر على أن يبعث على هؤلاء المشركين المحادّين لله ورسوله، صواعق مهلكة من السماء، أو بحارا مغرقة من الأرض، أو أن يلبسهم شيعا، أي يجعلهم أهواء متفرقة، ومذاهب متقاتلة، يضرب بعضهم بعضا، ويذيق بعضهم بأس بعض ..

وقوله تعالى: «أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا» أي يخلطكم شيعا وفرقا، حتى ليكاد يلبس بعضكم بعضا، كما يلبس الجسد الثوب، مع تفرقكم مشاعر وعواطف ونزعات .. وهذا هو البلاء، أعظم البلاء، يصاب به مجتمع، يحويه مكان واحد، وحياة واحدة .. وإنه لا نعمة أعظم من نعمة الألفة بين قلوب الجماعة، تلك الألفة التي تجمعها على الحب والمودة والرحمة، وفى هذا يقول الله تعالى: «وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا» . [2]

أي: هو تعالى قادر على إرسال العذاب إليكم من كل جهة. {مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ} أي: يخلطكم {شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} أي: في الفتنة، وقتل بعضكم بعضا.

فهو قادر على ذلك كله، فاحذروا من الإقامة على معاصيه، فيصيبكم من العذاب ما يتلفكم ويمحقكم، ومع هذا فقد أخبر أنه قادر على ذلك. ولكن من رحمته، أن رفع عن هذه الأمة العذاب من فوقهم بالرجم والحصب، ونحوه، ومن تحت أرجلهم بالخسف. ولكن عاقب من عاقب منهم، بأن أذاق بعضهم بأس بعض، وسلط بعضهم على بعض، عقوبة عاجلة يراها المعتبرون، ويشعر بها العالمون. [3]

وعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {قُلْ هُوَ القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} [الأنعام:65] ،قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ» ،قَالَ: {أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} [الأنعام:65] ،قَالَ: «أَعُوذُ بِوَجْهِكَ» {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ} [الأنعام:65] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «هَذَا أَهْوَنُ - أَوْ هَذَا أَيْسَرُ -» [4] .

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص: 855، بترقيم الشاملة آليا)

(2) - التفسير القرآني للقرآن (4/ 206)

(3) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 260)

(4) - صحيح البخاري (6/ 56) (4628)

(من فوقكم) كالحجارة التي أرسلت على قوم لوط والماء المنهمر الذي أنزل على قوم نوح فأغرقهم وغير ذلك. (أعوذ بوجهك) أستجير بك وألتجئ إليك. (من تحت أرجلكم) كالخسف بقارون وإغراق آل فرعون. (يلبسكم شيعا) يجعلكم فرقا متخالفين. (يذيق بعضكم بأس بعض) يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل وغيره والبأس القوة والشدة ويطلق على الحرب والعذاب / الأنعام 65 /. (هذا أهون) أي فتنة الخلق وتسليط بعضكم على بعض أهون من عذاب الله تعالى]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت