فهرس الكتاب

الصفحة 641 من 849

وقد طلب إبليس من الله أن ينظره إلى يوم يبعثون، ليفسد هذا الإنسان الذي فضّله الله عليه، وطرد إبليس من رحمته بسببه ..

وكان هذا من إبليس تحدّيا لله، وإمعانا في الضلال: «وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» .

وتزيين الشيطان للمشركين، وقوله لهم: «لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ» هو مما وسوس لهم به في صدورهم من ضلال، وما ألقى إلى سفهائهم من غرور، حتى لقد تمثلت تلك الوسوسة خواطر تتحرك في مشاعر القوم، وحتى لقد تخلّقت هذه الخواطر فكانت قولا، يجرى على ألسنة القوم، ويتنادون به .. وأنهم لن يغلبوا ..

فموقف الشيطان وأعوانه في صفوف المشركين، هو مقابل لموقف الملائكة في صفوف المؤمنين .. ولكن شتان بين موقف وموقف .. فالشيطان يغرى بالباطل، ويمدّ بالضلال، ويعين بالأكاذيب .. أما الملائكة، فقد طلعت على المسلمين بريح القوة، وهبّت بأنسام النصر، فملأت قلوب المسلمين أمنا وطمأنينة، فثبتت من أقدامهم، وقوت من عزائمهم، وأطمعتهم في عدوّهم .. فكان لهم الظفر بعدوّهم .. وفى هذا يقول الله تعالى: «قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ» (77:85 ص)

وهكذا يقضى الله سبحانه وتعالى بين إبليس وبين أبناء آدم. يغريه بهم، ويسلطه عليهم، ليخزيه آخر الأمر، وليريه من أبناء آدم ما يزيده حسرة وحزنا، فيما يرى مما لله في أبناء آدم من أصفياء وأولياء، أنزلهم منازل رضوانه، وفتح لهم أبواب جنّاته، يلقون فيها ما أعدّ لهم من نعيم مقيم .. وفى هذا يقول الله تعالى: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (42:الحجر) ..

فإذا كان لإبليس أولياء من بنى آدم، يؤدّى فيهم رسالته الضالّة المفسدة، فإن في أبناء آدم من يقف له بالمرصاد، ويلبسه لباس الذلة والخزي! وعلى هذا، فإن الشيطان إذ يغوى الغاوين من أبناء آدم، وإذ يدفع بهم إلى مواطن الضلال- إنما يؤدى رسالته التي تخيّرها لنفسه فيهم، وهو يعلم أنه على عصيان لله، فيما يأتيه مع أبناء آدم من إغواء وإضلال .. ولكنه- مع هذا- لا يملك من نفسه أن يردّها عن هذا الاتجاه الذي اتخذته، بحكم سابق، وقضاء نافذ .. فهو- والحال كذلك- يؤدّى رسالة الشرّ في أبناء آدم، كما يؤدّى الأنبياء رسالة الخير فيهم، وللشيطان أولياؤه وأتباعه، كما للأنبياء أولياؤهم وأتباعهم ..

ومن جهة أخرى، فإن الشيطان- لحكمة أرادها الله- مغطّى على بصره، لا يرى الشرّ الذي يزرعه في أبناء آدم، حتى ينبت، ويزهر، ويثمر .. وهنا يدرك أنه اقترف الإثم، ووقع في المعصية .. وهنا أيضا يري عقاب الله الراصد له، جزاء ما اقترف من آثام .. وفى هذا بلاء عظيم، وعذاب أليم، وتلك هى لعنة الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت