فهرس الكتاب

الصفحة 608 من 849

وأن هؤلاء المهلكين، لما أحسوا بعذاب الله وعقابه، وباشرهم نزوله، لم يمكن لهم الرجوع ولا طريق لهم إلى النزوع وإنما ضربوا الأرض بأرجلهم، ندما وقلقا، وتحسرا على ما فعلوا وهروبا من وقوعه، فقيل لهم على وجه التهكم بهم: {لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} أي: لا يفيدكم الركوض والندم، ولكن إن كان لكم اقتدار، فارجعوا إلى ما أترفتم فيه، من اللذات، والمشتهيات، ومساكنكم المزخرفات، ودنياكم التي غرتكم وألهتكم، حتى جاءكم أمر الله. فكونوا فيها متمكنين، وللذاتها جانين، وفي منازلكم مطمئنين معظمين، لعلكم أن تكونوا مقصودين في أموركم، كما كنتم سابقا، مسئولين من مطالب الدنيا، كحالتكم الأولى، وهيهات، أين الوصول إلى هذا؟ وقد فات الوقت، وحل بهم العقاب والمقت، وذهب عنهم عزهم، وشرفهم ودنياهم، وحضرهم ندمهم وتحسرهم؟.

ولهذا {قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} أي الدعاء بالويل والثبور والندم والإقرار على أنفسهم بالظلم وأن الله عادل فيما أحل بهم {حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} أي بمنزلة النبات الذي قد حصد وأنيم قد خمدت منهم الحركات وسكنت منهم الأصوات فاحذروا - أيها المخاطبون - أن تستمروا على تكذيب أشرف الرسل فيحل بكم كما حل بأولئك" [1] "

والقصم أشد حركات القطع. وجرسها اللفظي يصور معناها، ويلقي ظل الشدة والعنف والتحطيم والقضاء الحاسم على القرى التي كانت ظالمة. فإذا هي مدمرة محطمة .. «وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ» .

وهو عند القصم يوقع الفعل على القرى ليشمل ما فيها ومن فيها. وعند الإنشاء يوقع الفعل على القوم الذين ينشأون ويعيدون إنشاء القرى .. وهذه حقيقة في ذاتها.

فالدمار يحل بالديار والدّيار. والإنشاء يبدأ بالديارين فيعيدون إنشاء الدور .. ولكن عرض هذه الحقيقة في هذه الصورة يضخم عملية القصم والتدمير، وهذا هو الظل المراد إلقاؤه بالتعبير على طريقة التصوير!

ثم ننظر فنشهد حركة القوم في تلك القرى وبأس الله يأخذهم، وهم كالفيران في المصيدة يضطربون من هنا إلى هناك قبيل الخمود: «فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ» .. يسارعون بالخروج من القرية ركضا وعدوا، وقد تبين لهم أنهم مأخوذون ببأس الله. كأنما الركض ينجيهم من بأس الله. وكأنما هم أسرع عدوا فلا يلحق بهم حيث يركضون! ولكنها حركة الفأر في المصيدة بلا تفكير ولا شعور. عندئذ يتلقون التهكم المرير: «لا تَرْكُضُوا، وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ» ! لا تركضوا من قريتكم. وعودوا إلى متاعكم الهنيء وعيشكم الرغيد وسكنكم المريح .. عودوا لعلكم تسألون عن ذلك كله فيم أنفقتموه؟!

(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 520)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت